www.alarabi.ir
اوجدت النهضة العربیة التی احدثت انقلابا فی الحیاة العربیة الجدیدة نوعا من التقدم الثقافی فی كل المجالات الثقافیة بمافیها الدینیة والسیاسیة والتاریخیة والادبیة فی النثروالشعر كان نتیجته نشوء انواع جدیدة من الشعر مثل الشعرالحر او الشعرالمنثور كتب فیه جملة من الشعراء وخاصة الذین تاثروا بالثقافة الغربیة و الشعر المسرحی او التمثیلی اضافة الى عمود الشعر اذ بقی شامخا یكتب فیه الكثیر من الشعراء العرب ولا یزال عمود الشعر هوالسمة الواضحة فی الشعر العربی
وعمود الشعر هو الشعر الموزون المقفى ویدعى بالشعر التقلیدی ایضا لاءنه تقلید للشعر القدیم وامتداد له فی الوزن والقافیة فالشعر التقلیدی هو هذا الشعر الذی نظم على موسیقى بحر من البحورالشعریة العربیة الستة عشر التی اوجدها العالم البصری الكبیر الخلیل الفراهیدی وتولد القصیدة على روی واحد وقافیة واحدة ووزن واحد فالقصید ة وحدة متماسكة من حیث البناء كانها بیت واحد واغلب الشعر العریی الحدیث من هذا النوع الذی یمثل اصل الحضارة العربیة الادبیة
لقد حافظ الشعراء على اصالة عمود الشعر العربی وموسیقاه واوزانه والاسلوب الشعری القدیم المتمثل بالقافیة الواحدة والبیت الشعری الواحد المتكون من شطر وعجز فی تنسیق متسق وبحر واحد أی متساوی التفاعیل الوزنیة او موحد الموسیقى الشعریة للبیت الواحد بحیث تكون كل القصیدة مهما طالت ذات تفاعیل محددة الوزن ضربها الموسیقی واحد لاتخرج عما رسمه فی الاصل الشعراء العرب وهو الماءلوف فی الوزن الموسیقی للشعر العربی وكذلك الالتزام بالقافیة الواحدة فی القصیدة

وسیبقى كذلك عمود الشعرمهما اختلفت الاغراض والفنون الشعریة واسالیب الشعراء شامخا وله االقدح المعلى والجو الانسب على امتداد الوطن العربی حیث ان الاذن الموسیقیة العربیة جبلت علیه واستساغت سماعه واستسمجت كل انواع الشعر الا ایاه فقدیما وحدیثا كانت القصیدة العربیة التقلیدیة هی الاساس الشعری فی الادب العربی وفی استنهاض الروح العربیة واثارتها حتى الاحتدام والشموخ وما جاء بعدها عیال علیها او تفرع منها ولیس الفرع كالاصل ومن قصائد عمود الشعر هذه الابیات للشاعر العربی على محمود طه فی ا ستنهاض همم الشعب العربی ودفعه الى الثورة بوجه الطغاة یقول فیها \

اخی جاوز الظالمون المدى
فحق الجها د وحق الفدا

ا انتركهم یغصبون العروبة
مجد الابوة والسؤدد ا

ولیسوا بغیر صلیل السیوف
یجیبون صوتا لنا او صدى

فجرد حسامك من غمده
فلیس له بعد ان یغمد ا

اخی ایها العربی الابی
اری الیوم موعدنا لا غدا

اخی اقبل الشرق فی امة
ترد الضلال وتحی الهد ى

اخی ان فی القدس اختا لنا
اعد لها الذابحون المدى

صبرنا على غدرهم قادرین

وكنا لهم قدرا مرصدا

اخی قم الى قبلة المشرقین
لنحمی الكنیسة والمسجدا

یسوع الشید على ارضها
یعانق فی جیشه احمدا


بدات المحاولات الداعیة الى التخلص من وحدة القافیة فی القصیدة الواحدة فی الشعر العربی اوما یسمونه بحركة التجدید فی العصر العباسی الثانی وفی الاندلس كظهور الموشحات الاندلسیة والموالیا و المثلث والمربع والمخمس
ظل الشاعر العربی فی اغلب الاحوال واجلها ملتزما بوحدة القافیة و موسقى البحر الواحد الا ان فی بدایات القرن العشرین ا وجد من شعراء المهجر من دعى الى الثورة على الاسلوب الشعری القدیم فدعوا الى التحرر من هذه القیود فنظموا شعرا من غیر وزن ومن غیر قافیة او خرجوا فیه عن الماءلوف فی الوزن الموسیقی للشعر العربی وكذلك لم یلتزموا بالقافیة الواحدة فی القصیدة
وعن شعراء المهجر تسربت هذه الحالة الجدیدة فی الشعر الى الاقطار العربیة فظهرت فی اغلب البلاد قصیدة النثر او ما یسمى بالشعر الحر فهی اشبه بثورة على الشعرالقدیم شعرالتفعیلة فی بناء القصیدة فتخلصوا من نظام الشطروالعجز وابتعدوا عن النظم بالعمود الشعری المتسق المتناسق فی البناء وظهرت منازعات بین رواد الشعر العمودی الذین اعتبروا الشعر الحر ضرب من انواع النثر وانه نقص فی شاعریة الشاعر اوفی اذنه الموسیقیة اخرجته عن الماءلوف وبین رواد الشعرالحدیث الذین یعتبرونه من متطلبات العصرالحدیث
ولا اعلم ان كانت هذه الطریقة اهی نقص فی شاعریة الشاعر العربی الحدیث مع العلم ان هناك قصائد فی الشعر الحر رائعة وجمیلة وذات خیال شاعری یهز الوجدان هزا ام انها طریقة جدیدة لنظم الشعر اقتضتها ظروف الحیاة فی هذا العصر الا انی اقول ان طبیعة العربی ستبقى متاءثرة بالقصیدة الشعریة ذات التفعیلة الواحدة والقافیة الواحدة لدى سماعها او مطالعتها وتشد المواطن العربی الیها اكثر من قصیدة الشعر الحر الخالیة من الوزن والقافیة ویظل المواطن العربی ینظر الى قصیدةالشعر الحر انها قصیدة النثر وقد اثبت الزمن صحة ذلك خلا ل هذه الایام على كثرة ما قیل فی الشعرالحر ونظم فیه من دواوین شعریة وانی رغم كتابتی بعض قصائدی فی الشعرالحر الاانی افضل القصیدة العمودیة الموزونة المقفاة واشعر انها قصیدة الشعرالعربی قدیما وحدیثا وانی شعرت حین اكتب القصیدتین ان الاولى اعلى قدرا وافضل سماعا واكثر تاءثرا فی الوجدان العربی والروح العربیة ومع هذا تبقى قصیدة النثر حاجة ملحة لشعر هذا العصر ولعلی ارجع یوما للتفضیل بینهما
من اشهر شعراء قصیدة الشعرالحر وروادها بدر شاكرالسیاب وعبد الوهاب البیانی ونازك الملائكة ومیخائیل نعیمة وجبرا ن خلیل جبران وغیرهم كثیر
ومن الشعرالحر هذا النموذج للشاعرة نازك الملائكة تقول \

فی دجى اللیل العمیق
راسه النشوان القوه هشیما
واراقوا دمه الصافی الكریما
فوق احجار الطریق

-------------------

وصباحا دفنوه
واهالوا حقدهم فوق ثراه
عارهم ظنوه لن یبقى شذاه
ثم سارو ا ونسوه

-----------

حسبوا الاعصار یلوی
ان تحاموه بستر اوجدار
وراءو ان یطفؤا ضوء النهار
غیر ان المجد اقوى

------------------

ومن القفبرالمعطر
لم یزل منبعثا صوت الشهید
طیفه اثبت من جیش عنید
جاثم لا یتقهقر

-------------------
یا لحمقى اغبیاء
منحوه حین اردوه شهیدا
الف عمر وشبابا وخلودا
وجمالا ونقاء

* * *
ومن الفنون الشعریة الحدیثة الذی ظهر جراء النهضة العربیة الشعر التمثیلی او المسرحی وهو فن طارئ على الادب العربی اقتبسه العرب نتیجة اتصالهم بالغرب وتاءثرهم بهم من خلال البعثات والترجمة واطلاع بعضهم على المسارح الغربیة فقد اطلع الشعراء العرب على حركة المسارح الغربیة وما یعرض فیها مما كتبه الادباء الغربیون من مسرحیت شعریة مثلت على المسارح فاقدم بعض شعراؤنا على محاكاتهم بدافع حب التشابه الى نظم مسرحیات تمثیلیة باللغة العربیة فنظموها شعرا
وقد نجح هذا النوع من الشعر فی اول بدایاته الاانه ركد اومال الى الركود مع مرورالزمن وقد كانت اغلب الروایات الشعریة مستقاة مادتها من التاریخ ومن اشهر من كتب فی هذا الشعر واوجده الشعراء احمد شوقی وعزیز اباظة من مصر و خالد الشواف من العراق وغیرهم
وهذا مقطع من مسرحیة –كلیوباترة - شعر احمد شوقی -

اونیس – محاولا اسعاف الجرح –

تلك انفاسه توالى وهذا جسمه لا یزال غضا طریبا

هو ذا قد تخلجت شفتاه وتهیا لسانه لیثو با

ایها الملائكة ارفقی بجریح بات تحت الرواء جرحا صبیبا

لاتنادیه بالدموع مرارا ربما ضر جرحه ان یجیبا

انطونیو-

كلیوباتره عجب انت هنا لم تموتی هم اذن مكذبون

كلیوباترة –

سیدی روحی حیاتی قیصری امن حی

انطونیو

بعد حین لا اكون

كلیوباتره

من تعانی كذبا من قالها لك

انطونیو

اوملبوس النذل الخؤون

مر فاستوقفته اساءله
قال ماتت فتجرعت المنون

* * *

تمیز الشعرالعربی فی نهایة القرن التاسع عشر وبدایة القرن العشرین بنهضته الثوریة فكان الشعر سیاسیا ثوریا ناهضا وكان الدافع الرئیس لهذا الشیء هو الحالة الجدیدةالناهضة فی الوطن العربی فقد شارك الشعراء العرب فی اذكاء كل حركات التقدم و الثوریة العربیة وكا نوا رؤوساء ودعاة لها ومشاركین فعلیا فیها فهم الاساس الاول فی النهضة العربیة لذلك فالمطلع على شعر شعراء النهضةالعربیة فی بدایات هذا العصر یجد ان القصیدة العربیة تقطر دما فی ثورة جامحة صارمة كاءن ابیات قصائدهم سیوفا مصلتة مسلولة من اغمادها وهم قد ركبوا جیادهم للجها د فی سبیل الحق ونصره شعبهم والذود عن وطنهم المسلوب وهم یرونه قد تقاسمت الامم اسلابهم فهتفوا فی الشعب العربی وتغنوا ببطولات هذا الشعب الذی هب كالمارد یشق طریقه الى الحریة و الانعتاق وطرد الاستعمار وینشدالنور والامان بالایمان یقدراته وروحیته الابیة الطامحة الى العلو والارتقاء والثورة
و الشعرالسیاسی یمثل الاحداث العربیة تمثیلا صادقا فقد ذكرت فیه الصغیرة والكبیرة من الاحداث التی المت بالامة العربیة وكان الشعراء صوت الشعب الهادر والمدوی
فالشعرالعربی كان نارا تلتهب لتحرق ظهور الاجنبی وثورة فی نفس العربی تزیدها قوة واندلاعا فالشعراء كل الشعراء هتفوا للتحرر العربی وطرد المعتدین والفخر فی الشخصیة العربیة واذكاء نار الثورة فیها - یقول الشاعرالاخطل الصغیر هذه الابیات من قصیدته سائل العلیاء عنا والزمانا \

سائل العلیاء عنا والزمانا
هل خفرنا ذمة مذ عرفا نا

المروءات التی كانت بنا
لم تزل تجری سعیرا فی دمانا

ضجت الصحراء تشكو عریها
فكسوناها زئیرا ود خا نا

ضحك المجد لنا لما رءانا
ید م الابطال مصبوغا لوانا

عرس الاحرار ان یسقى العدى
اكؤسا حمرا وانغاما حز ا نا



ومع كل ماتقدم نقول ان الفنون الشعریة فی بدایات عصر النهضة العربیة و التی ظهرت حدیثا وانشد فیها شعراءالعربیة قصائدهم كثیرة الا ا ن اغلبها كا ن فی الثورة العربیة والتغنی بامجادها ورموزها وما لاقته البلاد العربیة من نكبات واحداث مثل ثورة الملیون شهید فی الجزائر و نكبة دمشق ونكبة ضیاع فلسطین واستلاء الصهاینة الیهود علیها اضافة الى كل الحركات التحرریة فی البلاد العربیة
تبقى القصائد الوطنیة هی السمة الغالبة لهذا العصر والمحوك القوی للشبا ب العربی المؤمن برسالة امته واعادتها الى سالف عهدها التلید

نوشته شده در تاريخ دوشنبه 1390/01/29 توسط شاهسونی (دکترای زبان و ادبیات عربی)
ان الادارة المنهجیة للكشف عن نقطة الانطلاق المهمة فی تأسیس المفاهیم المركزیة والضرورة لفهم وتوضیح المنطق الیقینی فی حدود الوعی وانتقاله فی حدود الشعور .. وهو النداء الخفی الذی یتهدج بألق داخلی حدوده الحرارة ، والبراءة ، والالم وبواعث للایمان والرؤیا الدقیقة لحركة الواقع الدفینة ، والنضوج فی حدود الاضاءة لمساحات واسعة من الحیاة .. وهدوء العاصفة فیها ، وهی الاستثناء فی شخصیة الشاعر .. حیث الوتیرة المتصاعدة فی اشكالیة التحولات والحوافز فی العمل فی سیرة من التعبیر المعرفی وقد افضى هذا التوتر العلائقی الى نتائج من المستوات المهمة انتهت بالتجسید الحی – والتاریخی لفعل التعبیر – والسیرة فی رحلة التفجیر الشامخة ، وهی تشبه فی میسمها .. تفجر الثورة الابدیة فی العراق .. فكانت الولادة فی البیت الشعری بشكله العمودی المتجدد .. صاحب الفعل المنجز ودلالته وضوء الذی شع فأنار الطریق الذی تكامل بفعل الصدق فی التعبیر عن بدء من الداخل وهو (( الهدف والمعنى )) والمسلمة الراجحة داخل مرآة صافیة بعمق صفاء شاعرنا المبدع .
والاسطورة عند الجواهری تنطوی عند معنى لا یتحدد بعناصر مصنوعة او معرفة .. بل هی الرؤیة والطریقة التی تقوم بعملیة التنسیق بعدد من العناصر.
والاسطورة عند الجواهری دائماً تتعلق بعناصر الجمال من اللغة والبلاغة وهی مفاهیم تشكل الخلاصة لنتائج دقیقة فی الصیاغات الاسطوریة فی البحث عن خصائص عدیدة تتجاوز فی محركاتها .. خصائص اللغة والبلاغة .
والاسطورة عند الجواهری كائن حی ومتحرك یتكون من عدة تشكیلات فی الوحدات الاجتماعیة والصوتیة والنحویة والصرفیة والبلاغیة والدلالیة حیث یكون ( المفهوم اللغوی ) مفهوم اولی لعدة عینات وكیانات لمنطق السنی ، وهو المقوم الجدلی للكلیات ، لكنه خارج اطار عملیة الوعی الارادی .

یقول الجواهری :
فرّ لیلی من ید الظلم
فتخطانی ولم انم
كلما اوغلت فی حلمی
خلتنی اهوى على صنم
یستمد الوحی من المی
وینث الروح فی قلمی
آه یا احبولة الفكر
كم هفا طیر ولم یطر
فالبناء اللغوی ینمو وینهض فی حركات حیة ومحكومة بحركة ( زمكانیة ) للاسطورة یعزف لحناً حزیناً وبفاعلیة روحیة تحلق عالیاً متسامیة لتضیء المكان بفاعلیة التراكیب والتغییر الذی یحدث فی الدلالة بفعل الهواجس والمعنی فی مدارات من الفكر .
واللغة عن الجواهری تقوم على اشكالیة عقلیة وحیثیات منطقیة قائمة على النفس البلاغی والثروة اللغویة جاءت عبر الدراسة الدقیقة لمكونات النص الشعری وتعالیقه المتجددة نلاحظ ان هنالك مراحل فی طریقة البناء الفكری تعتمد على :
المنطق الروحی + عملیة التفكیر ومضامینها وما یتعلق بهذا التفكیر من حس اجتماعی وسیاسی دفین وعبر مضامین منطقیة تحددها التشكیلات الاسطوریة.
یقول الجواهری :
مرحباً یا أیها الأرق
فرشت أنا لك الحدق
لك من عینی منطلق
اذا عیون الناس تنطبق
لك زاد عندی القلق
والیراع النضوو والورق
ورؤى فی خالة القدر
عتقت خمرا لمعتصر ..
ان الفضاء الاسطوری عند الجواهری .. هو فرضیة محكمة تنتقل من الحس فی الزمان الى المكان المتداخل بصیغة الوعی المعرفی ومن الوعی فی الاستقلالیة فی التفكیر ینمو الموضوع فی الصورة دخل النص الشعری ، فیخرج ایقاعاً متوازناً ومتوازیاً مع خصائص الحیاة المركبة والمعقدة .. فالاسطورة عند الجواهری هی شحنات من انسجة ایقاعیة تغطی العمود الشعری وتبرز لفخامته البلاغیة والحسیة بصیغة وتراكیب وخصائص وقوانین فی سیاقات ابتداء النص الشعری عبر محمولها المنطقی وما تحمله البنیة للاسطورة لهذا العمود من احتكام الى تنظیم فی الوحدات الصوتیة والعلاقة بینهما .
ان اعتماد الجواهری على امتلاكه للحس التراثی والتشكیل الحداثی راح یعتمد فی نسجه الشعری على منطق الخلق البارع للاسطورة فی صورة حسیة اعتمدت المنطق فی قیاسها وفی علاقة وصیغ ( فینومینولوجیا ) فالجواهری اعتمد الفحص المستمر حتى للأسس التی تنحو المنحنى العلمی والمعرفی لقیمة المنطق فی نظرته الى الواقع الاجتماعی المعاش .
یقول الجواهری :
أنا عندی من الأسى جبل
یتمشى معی وینتقل
أنا عندی وان خبا أمل
جذوة فی الفؤاد تشتعل
انما الفكر عارما یظل
ابد الآبدین یقتتل
قائد ملهم بلا نفر
حسرت عنه رایة الظفر
فاذا دققنا فی قصائد الجواهری نجد هذا الزخم الهائل والمتحول من الفكرة الاسطوریة الى صور تأخذ قوانینها من قوانین الاسطورة الى الشد الذهنی والجو المشحون بالفكرة الطریة التی یخلقها الشاعر عبر هذه المكونات الذهنیة والتی تفصح عن وحدات تركیبیة ( الاسى والجبل یتمشى وینتقل ) ان الاستقلال اللغوی والبلاغی والذهنی الذی شكله النص الشعری اعطانا تنظیم من العلاقة العضویة فی القول والحركة والصورة والاسطورة ، ومن العلاقات الالسنیة فی تداخلها التولیدی الذی یحكم الترابط فی الوحدات داخل القصیدة .
فاللغة عند الجواهری هی تحلیل ( انثربولوجی ) كما هو عند ( شتراوس ) لانه نمو ینهض بكیان اسطوری عبر شتى التكوینات الطبیعیة والاجتماعیة .
یقول الجواهری :
یا أم بغداد من عدوى تأنقها
مشى التبغدد حتى فی الدهاقین
یا دجلة الخیر ما یغلیك من حنق
یغلی فؤادی وما یشجیك یشجینی
وتتولد الصورة بهذا التعبیر وهذا التغیر الذهنی فی الایقاع الاسطوری والبیت الواحد من القصیدة یعطیك الصورة المتداخلة من خلال شعاع اسطوری (لخیال وهتاف) یشد السامع الى وحدة فكریة وهی تحمل عدة تعابیر فنیة دقیقة وهی التی یتضمنها التعبیر عبر عدة معاییر بتحصیل الصیغ المعرفیة بأطر موسیقیة متدافعة ومتدفقة داخل البیت الشعری الواحد وهو یتقابل بلقطات مركزة من الموسیقى الداخلیة تطرز البیت بالحان ونغمات تؤطر التركیبة الحسیة للبیت لتنظیف جمالاً اسطوریاً غریباً .
یقول الجواهری :
یا دجلة الخیر ادری بالذی طفحت
به مجاریك من فوق الى دون
ادری على أی قیثار قد انفجرت
انفاسك السمر عن أَنات محزون
أَدری بأنك من الف مضت دهراً
للآن تهزین من حكم السلاطین
یا دجلة الخیر كم من كنز موهبة
لدیك فی القمم المسحور مخزون
لعل تلك العفاریت التی احتجرت
محملات على اكتاف دولفین
والملفت للنظر ان الجواهری ینشد عملیة التكرار وهذا یأتی تأكیداً للصیاغات الصوریة والایقاعیة ، فهو منطق من العفویة الحسیة الناضجة فی شبكة القصیدة ، وهذا الموضوع قد ساعد فی عملیة التوتر والشد العاطفی الذی یأخذ شكله المتصاعد لیعطی اللغة الشعریة معیاراً من النمو المتزاید والذی أَشره ( دی سوسیر ) عبر الدراسات المتعاقبة للصیغ اللغویة وعبر الكشف الدقیق لقوانین البنیة الشعریة ومداخلاتها الاسطوریة داخل الانظمة الالسنیة والصوتیة وداخل نظم من المفردات الشعریة التی تجمعها مخیلة الشاعر لعدة من الصیاغات والاطر الجدیدة فی القصیدة .
من جانب اخر فان التناظر والتحول لم یكن غائباً عن المفاهیم المقومة للشعر وان بؤر الاهتمام فی العلاقة بین التراكب اللغویة والاسطوریة هی فی علاقة هذه التراكیب الحیة وعلاقة الشاعر بالنص وهذا الرأی حدده (ورد زورث) و ( كولردج ) واتفاق مسبق مع ارسطو فی ان موضوع الشعر هو موضوع الحقیقة حیث حدد كولردج فی الصیاغة الجدیدة لهذه الحقیقة قائلاً ( ان الشعر یمثل واسطة عادیة بین اطراف العالم والمألوف من جهة والمفردة الجدیدة من جهة اخرى ) ویؤكد فی جانب اخر وبمنطق اخر ویسمیه ( الالتحام والتسویة فی الاشیاء المختلفة ) . والخلاصة فی هذا الموضوع هو خضوع الكون لقضیة الفرد الاجتماعی وهذا كما یعتقد ( هوسرل ) ان المنحى الفكری یتضمن معاییر معرفیة تتمیز به وتمیز الحق عن الباطل وهی نتائج لتفكیر منطقی یقوم على أسس نفسیة وهو الجانب الذی اكده هوسرل كذلك ، وهو لیس الجانب السایكولوجی الساذج بل القصدی منه والذی یعتمد على الدراسة الالسنیة التعادلیة وتداخلها فی النیة القصدیة والشعر هو المنظم الاول اللاصوت فی الطبیعة وهو المقوم مع التنظیمات المستمرة فی عملیات التخیل وهو الاستعداد والاستجابة للعمل السلوكی ، واللغة كانت عند الجواهری عبارة عن تراكیب منطقیة وحسیة بلاغیة وروماتیكیة وفی هذا المجال یقول ( ریتشاردز ) ان اللغة هی لیست مجرد نظام لتنظیم الاشارات بل هی مقدّم حقیقی للأشیاء .
یقول الجواهری :
اطلت الشوط من عمری
اطال الله من عمرك
وما بلغت بالسر
ولا بالسوء من خبرك
حسوت الخمر من نهرك
وذقت الحلو من ثمرك
وغنتنی صوادحك النشاوى
من ندى سحرك
ولم یبرح على الظل
بعد الظل من شجرك
اذنبی ان مختبری
هدانی عیر مختبرك
هلمی خالطی بشری
تنفری أنت من بشرك
والحلم الرومانتیكی عند الجواهری … هو منهج ذاتی – موضوعی تحكمه صلات جدلیة تحقق التفاعل المتوازن فی تأكیده على المنهج الادراكی فی دراسة البنیة … ووحدة المستویات او الكلیات فی الادب والشعر بشكل خاص … وفی اطار الموازنة والمقارنة فی اول مسرحیة " الفرس " ( لاسخیلوس ) هناك حوار حول حلم شاهدته " اتوسا" ارمل " داریوس " ویذكر " لاسخیلوس " " العقل ذو عیون حین ینام صاحبه وهو اعمى حین یستیقظ ومسرحیة " بولیوكت " تأتی خلاصة التأكید على الجانب السیكولوجی حین تحلم " بولین " (( حلماً مزعجاً ترى زوجها یموت بالحرب )) ..
ان صیغة التنظیم فی الاشارات المبینة … هو التأكید المنطقی الذی أشره الجواهری … ودلل علیه " ریشاردز " فی انتقالیة حیة عند " موریس " انه یتحدث عن غیاب الاحاسیس : والاحاسیس والاستجابات عند السید " موریس " هو الاحساس والاشارات الایقونیة للاكتمال الذی حققته اللغة عبر الحس الاسطوری بعد ان یكون الاحساس اخذ یضرب بالماوراء الالهام الموضوعی …
فالمعرفة الحسیة عند الجواهری … هی عقل مدرك مكتمل بالمفردة الحسیة الانسانیة ، وفی هذه الفقرة یقتبس " ریتشاردز " عن " كولردج نص قوله " .
" الیست الكلمات اجزاء – وبذوراً ؟ وما هو قانون نموها ؟ بشیء فی مثل … هذا سوف احطم التناقض القدیم القائم بین الكلمات والاشیاء "؟
" وارتفع بالكلمة - كما هو الامكر الى مستوى الاشیاء الحیة منها ! "
وقد اضفى الجواهری على لغته الشعریة عبر قدرة على الاحاطة بالمتناقضات المتشابكة داخل المجتمع وبین ما هو موضوعی ومرتبط بقوانین الصراع التاریخی .
" وریتشاردز " عالج هذا الموضوع .. بوصفه حد فاصل بینم " كولردج " و " الكلاسیكیة الجدیدة " وكان فصل ( قیثارة الریح ) وهو الدلیل على خصوصیة ها التناقض :
یقول الجواهری :-
مشى وخط المشیب بمفرقیه
وراحت من زهاها امس حباً
تبدل غیر رونقه ولاحت
رماداً خلته لولا البقایا
اهذا من به فتنت كعاب
اهذا تائهاً من نقلته
ومن اوصبى " فلانة" ! وهی خدر
ومنزوفاً كأن ید اللیالی
ویا سیفاً نجر حمالیتة
وطار غراب سعد من یدیه
تقول الیوم : واسفی علیه
تضاریس السنین بأخدع یه
توقد جمرتین بمقلتیه
ومن سحر الندى باصغریه
على الاحداق احلى خطویتیه
دم العشاق یصبغ وجنتیه
بمبضعها تفصد اكحلیه
ونركب حین نجمح شفرتیه

وقد اقضى هذا الشد فی الفهم الدقیق إسطورة فی اساسها التعبیری والصوری وهو یفضی الى عدة مناهج : ونتائج الزمن عند الشاعر ، وتأكیده واحتكامه الى الحكمة الفنیة والانجاز الفكری الذی یشع بتجسیداته لعملیة الابداع التی تكونت بالحافز المتفجر وهو یشبه الولادة فی جملته التعبیریة فی اطار التجلی الابداعی والرفض لكل التراكیب والدلالات ( الفیزیقیة ) داخل العملیة الجدلیة – وداخل عملیة التشكیل الفكری والاجتماعی الذی یضع الابداع فی المقدمة منه من خلال الدلالات الاجتماعیة والفرز للتصورات – الاتجاهات التجریبیة ، وهی متوحدة فی النص الشعری . كما وضحه ( ماثیوارنولد ) باعتباره معارضاً ( للدیالكتیك ) باعتباره الاطار الموضوعی للقانون الذی هو خارج العملیة اللغویة وباعتباره ایضاً موروث عن الكلاسیكیة .
فالعملیة الشعریة هی التی تنسج موضوع الاسطورة فی الطبیعة والحیاة الاجتماعیة … وهو الحقل الوضعی لخیال الشاعر الخصب وبالتالی هو الكشف عن الخصائص البلاغیة والفكریة الغامضة فی النص الشعری – عبر التفجر للایحاءات داخل النص وتكوین الاسطورة بایقاع المعنى المكون للنص الشعری ونظام التراكیب اللغویة – والبلاغیة والتفجیر الفكری للنص بنواظم ودینامیة مختلفة للانساق الجمالیة … فهی تحقیق وتقلیل لمختلف البیانات العمیقة … والدقیقة والافصاح عن النواة والرؤیا للعوالم الشعریة . والجواهری بوصفه شاعراً یمتلك التوافق والشعور والعلاقة المنطقیة بین الذات والموضوع .
والنظریة الشعریة عند الجواهری … هی عملیة رفد وتغییر للمنطق الشعری فی العمود المتجدد بموضوعاته الصوریة والاسطوریة وهذا خلاف النظریة التی تقول : ( بمعزل عما یتأثر به ) واعتبار الاعمال الشعریة اشیاء مجردة عن تفاعلاتها وعلاقاتها ( بالزمكان ) واعتبارها كائنات لا تربطها ایة صلة وبای شیء واصحاب هذه النظریة هم ( بلاكمور ، والن تیب ، وكلینش ، بروكس ) .
نقول ان الحافز الفكری والاجتماعی عند الجواهری عبر التكوین الرئیسی فی المنظور الشعری … وهو عنصر من العناصر المهمة فی بناء الحكایة والصیاغة الاساسیة للحدث الشعری وكذلك بالروابط السببیة التی تنظم الحدث والمتن الشعریین .
یقول الجواهری

حسناء : رجلك فی الركاب وبداك تعبث بالكتاب
وانا الضمیئ الى شرابك كان من ریقی شرابی
حسناء زاد من اضطرابی بغی التقنص فی اضطرابی
حسناء ساعتك التی دورت كانت من طلابی
حاولت اجعلها الذریعة لاحتكاكی واقترابی
عبثاً فقد ادركت ما یلتقی القشور من اللباب
كنت العلیمة بابن أوى اذا تحلق بالغراب
ذل السؤال جرعته فبخلت حتى بجواب
ان الرؤیة والتجربة الشعریة المصاغة عند الجواهری … فهی تعتمد على مستویات التلاحم والارتباط البنوی والرؤیوی وما تنطوی علیه هذه الابداعات بقدر الملاحظة لحقیقة الالهام والحدس عبر الكشف الدقیق للمستویات العالیة من الوعی والادراك الكامل للعلاقة بعالم اكبر ومتلاحم .
والجواهری كان الصورة والتعبیر عن الجانب الیقض والمتیقن لهذه الحیاة ووحداتها الداخلیة وبنیتها الشعریة والجمالیة الدقیقة فی وصف البطل الاسطوری عند الجواهری وهو یأتی عبر المسلمات الابداعیة والشخصیة ومن وصف وشدة فی الانتباه فی صیاغة النص الشعری وهو الصورة الشعریة فی مقدمة الاعترافات التی یتحدث عنها النص وحواره مع بطله الاسطوری .
هكذا اذن تحدد الملاحم الرئیسیة لانساق الاسطورة فی العمود الشعری عند الجواهری .


نوشته شده در تاريخ دوشنبه 1390/01/29 توسط شاهسونی (دکترای زبان و ادبیات عربی)
طلع الجواهری علی القرن العشرین من بیت أسواره الدین وأعمدته العلم والأدب. هذا الشاعر، الثائر، العاشق، الجوال، أنشد ما یقارب عشرین ألف بیتاً بعد أن صال وجال، وکابد وناضل، ونفى وتشرد، عاقر الخمرة، غازل النساء وجاب البلاد. فهو جامع للأضداد یعنی کان المتنبی تارة، والبحتری تارة أخرى، و أبو العلاء مرة، وأبو نواس مرة أخرى؛ عمر بن أبی ربیعة مرة، والشریف الرضی أخرى. نحن من خلال البحث سنتطرق الى جوانب من شخصیته من خلال أغراضه الشعریة التى حصرناها فی: 1- المدح: مدَحَ الجواهری الکثیرین فلم یکن یهدف من ورائه مطامع مادیة أو مواقع اجتماعیة بل یخرج الى آفاق خارج الممدوح، أو یقصد افادة الممدوح وتحذیره أو توجیهه بالوجه الذی یریده. 2- الرثاء: فقد أجاد فیه وأغلبه یتخذ طابعاً سیاسیاً تهکمیاً، أو انتقاداً . 3- الوصف: انه مارس الوصف ورسم صور النهر والنخیل والشواطى‏ء والجبال فقدم لوحات زاهیة فی سماء الشعر العربی. 4- الشعر السیاسی: یعتبر الغرض الاکبر حجماً فی دیوانه، فالسیاسة فی مذهبه لا تعنی سوى، الخوض فی غمار الأحداث التی ترتبط بمصیر الجمیع. 5- الغزل: له وجهة نظر خاص، تختص به فی نظراته للمرأة. رغم ان غزله المکشوف أثار ضجةً، و جدلاً وتساؤلاً کثیرة، فلقد کان یکمن وراءه بواعث ودوافع. الکلمات الرئیسیة: الجواهری، أغراض الشعر، المدح، الرثاء، الوصف، الشعر السیاسی، الغزل. محمد مهدی الجواهری و أغراضه الشعریة المقدمة ولد محمد مهدی الجواهرى عام 1903م بمدینه النجف الأشرف، أی تلک البقعة الرملیة الممتدة من صحراء الجزیرة العربیة الواقعة على بعد أمیال من أرض الکوفة الشهیرة. فقد کانت وما تزال مرکزاً دینیاً وسیاسیاً، واجتماعیاً، وأدبیاً تضخ للبشریة کل حین برجالات وشخصیات لا یمکن اخفاء آثار أصابعهم على أهم الأحداث والوقائع السیاسیة والأدبیة والثقافیة فی العراق والعالم الاسلامی وتطوراتها، وکذلک لایمکن اغفال دورها فی بناء صرح الفکر الانسانی بشکل عام. لقد کان الجواهری ابن النجف الاشرف ومن سلالة أسرة متقدمة عمقا" بالغا" فی التأریخ الدینی والسیاسی والاجتماعی للنجف. ولد فى بدایة القرن العشرین ورحل فی آخره، خاض غمار أحداث قرنٍ صعبٍ و معقد وحافل بالعجب العجاب، بدأ بالقریض وهو فی سن مبکر، اشتهر وملک الدنیا وهو لایزال شاباً فی مقتبل العمر. قیل عنه الکثیر بدءاً من نابغة الشعر العربى، ومروراً بشاعر العرب الأکبر، وأمیر الشعراء بعد شوقی، ووارث الشعر العربی وحافظه، ومتنبی العصر وربّ الشعر، وانتهاءً بألقاب وأوسمة أدبیة قلّما حصلت وتحصل لشاعر عربی، والحق لایمکن الظن بأن البنى التحتیة والأساس فی کل هذه التسمیات والأنواط غیر ثابتة فی أرض صلبة، خصبة معطاء، والا کیف صح أن اجتمعت عقول أدبیة راسخة، ونجوم متألقة فی دنیا الأدب یشار الیهم بالبنان لتعترف بقمة الجواهری، ولتهدی الیه بسخاء ما لا ینحدر الیه السیل ولا یرتفع الیه الطیر من المنزلة والعظمة. والواقع أن الاحاطة بشاعر کالجواهری صعب جداً وبیان قراءة خاصة بشخصه وأدبه تمتاز بالشمول والالمام المطلوبین أصعب. فالکتابة عنه بمثابة الکتابة عن مائة عام عاشها بآلامها، وأفراحها بوعی ونبوغ یحسد علیه ، وهی کذلک تعنی سبر أغوار آخر شاعر کلاسیکی، أصولی حفظ الشعر العربی من التیه والضیاع واکسبه حداثة لا تزول معها أصوله الأولیة من الجاهلیة الى یومنا هذا، ومما یزید الأمر صعوبة ندرة المصادر فی هذا الشأن والموجودة منها قد لا یفی بالغرض المطلوب. لا شک أن القاء الضوء على مجمل أشعاره الذی أنشد ما یقارب عشرین ألف بیتاً خلال عمره المدید البالغ قرناً کاملاً، والذی أرعب الطغاة والجبابرة، وحمل هموم الجماهیر وبؤسها وحرمانها، حاملاً خشبته على کتفه متنقلاً فی البلدان والأقالیم - لممتلى‏ء احساساً، وقوة، وبراعة فی التصویر وخلق الحالة مستجیباً للدواعی الاجتماعیة والسیاسیة. وبغیة ازاحة الستار عن الأغراض الشعریة التی یتطرق الیها الشاعر، بل عایشها روحاً وجسماً، ودفع عنها أثماناً باهضة، فالرجل ذو خیال واسع، عنید، لا یقبل الخضوع، طموح الى أقصى حد، عاشق المجد، لا یستوعبه مجال وزمان. وجدنا من الضروری التعرف على البواعث الرئیسیة لتفجر الشاعریة لدیه وسر تطور شعره، قبل خمسین عاماً تقریباً دار بینه وبین مؤلف کتاب «شعراء الغری» حوارٌ أشار الى هذا الموضوع وفی معرض أجابته عن سر شاعریته قال: (الخاقانی، ج 1، ص 139) «لا أعلم وقد أستطیع التحدث عن سر الشاعریة مطلقاً، أما عوامل تطور الشاعریة فعدیدة، أهمها حب الظهور والتنافس، فقد کنت أقرأ شعراً لشعراء مشهورین وأناجی ضمیری، بأنی هل أستطیع أن أنال مقام ذلک الشاعر؟ أقول بتجرد عن الغرور، أنی وصلت الى الیوم الذی شعرت فیه بأنى کما أردت، وأنا مدین لهذا الشعور والاحساس، ودافِع آخر هو أننی وجدت "لسوء الحظ أو لحسنه" من الجرأة على الصدع بالقول أو الجهر به مالم یکن عند الآخرین». لقد صدق الجواهری نفسه فی تصریحه هذا، کان فی داخله ینافس الشعراء العظام أمثال المتنبی، وأبی تمام، والبحتری، وبشار، وشیخ المعرة، بل کان یرى نفسه لیس فقط قریناً لهم، بل هو أکثر غروراً، وأکثر طموحاً وباحثاً عن المجد والخلود، بل لعله کان یرى نفسه فی حالة أخرى رمزاً لبقاء أصوات هؤلاء العظام مدویاً فی القرن العشرین. على هذا فانه لم یکن لیترک غرضاً شعریاً قد أفاد به القدماء، الا زین به قصائده، قد صال وجال مقتحماً جمیع الأغراض الشعریة. ویکفى أن نلقی نظرة عابرة على دواوینه الشعریة، لنرى کیف أن الأغراض الشعریة تنقاد لقوافیه وتستسلم أمام فکره ولغته وکونه عاش الاحداث السیاسیة وتفاعل معها وکان هو من صلبها ومن اعدادها الاولى، لذلک نراه متأثراً بالغرض السیاسی ومتعمقاً فیه أکثر من بقیة الأغراض، ومن الصعب أن نجده فی أشعاره بعیداً عن الهم السیاسی فهو شغله الشاغل، وعصب هدفه الشعری، فقد خاض المعارک السیاسیة بجدارة فائقة، واختزل الزمن والمسافات، مفسراً کاشفاً منظراً محللاً، وحاملاً لهموم یقتضیه طموح لا نهایة له، فهو المتنبی الکبیر تارة، والبحتری تارة أخرى، أو رهین المحبسین أبو العلاء المعری مرة، وأبو نؤاس بغداد أخرى، فهو عمر بن أبی ربیعة مرة، والشریف الرضی أخرى. ونود الاشارة الى جل شهرته یعود الى تعاطیه الشعر السیاسی، فالسیاسة کانت لب حیاته، ویأتی فی المرتبة الثانیة شعره فی المرأة أو الغزل، فقد کان شعره فی المرأة لاسیما غزله المکشوف دائماً المثیر للضجة، والجدل والتساؤل. وان کان غزله الأکثر اثارة وعنفاً، فلقد کان یکمن وراءه بواعث ودوافع وعوامل تطرق الیها النقاد وباحثو الأدب العربی، سنشیر الیها بشکل خاص من خلال طرح أغراضه الشعریة. 1- المدح: اذا کان المدح یعتبر من أهم وأکثر وأشهر الأغراض الشعریة فی تاریخ الأدب العربی، فقد تطرق الیه جل شعراء العرب، وما من دیوان لشاعر عربى الا وللمدح بصمات واضحة علیه ومعلوم أن المدح فی الشعر العربی کان دوماً ینحى من خلال منحیین ویساق على محورین، فقد کان المدح التکسبی والمدح غیر التکسبی، یعنی مدح القیم، أو المدح النموذجی، الذی یرى الشاعر فی الممدوح النموذج الأمثل، والأحسن، وهو المدح الحقیقی الذی یتقصى الظواهر الحقیقیة الکامنة فی شخصیة الممدوح. لقد مدح الجواهری الکثیرین، علماء، رجال حکم، أدباء، شخصیات وطنیة، ورموز ثائرة فی کل مکان. لا یختلف لدیه ان کان الممدوح عراقیاً أو عربیاً، أو کان من قوم غیر العرب، یکفی أن تتطابق شخصیة الممدوح مع القیم والموازین أو الشروط التی کان یراها لزاماً لکل ممدوح حتى یکون فی مستوى مدح شاعر کالجواهری. فلم یکن مدحه مدحاً یهدف من ورائه مطامع مادیة أو یهدف الی الحصول على مواقع اجتماعیة أو سیاسیة، فقد کان مدحه دائماً یستند على الأحوال والظروف الخاصة من الناحیة الزمنیة والسیاسیة والاجتماعیة. ومن ممیزات مدحه، أنه یتفرع فی المدح ویخرج الى آفاق خارج الممدوح، أو یقصد فی مدحه افادة الممدوح وتحذیره أو توجیهه بالجهة التی یریدها، وهو صادق فی مدحه، ذو شفافیة، یرسم لوحة رنانة، یبقى مع الممدوح ویشتهر به، وحتى أن السمات البارعة التی ینسبها الى ممدوحه قد تطغی على شخصیته وقد تخلق منه شخصیة أخرى فی عیون الآخرین. انه فی العشرینیات وفی بدایة نبوغه الشعری وفی خضم أحداث ثورة العشرین وما تلاها مدح رجال الثورة ومجدهم أیما تمجید. (من قصیدة ثورة العراق، الجواهری فی العیون ...، ص 45) وَدعوةٌ مشهودةٌ تَدعُو لِیومٍ یَشهَدُ قامَ بها مُقَلّدٌ بعزمِهِ مجتهدُ محمدٌ ومُعْجِزٌ مثلُکَ یا محمدُ ویأتی بعد تعظیم قائد الثورة ومحرکها آیة الله الشیرازی الى دور أبناء الشعب فی هذه الثورة العارمة: یَرَوْنَ أَقْصَى مَطْمَعٍ فی الحربِ أَنْ یَسْتَشْهدُوا کأنَّما لیستْ لهم نفوسُهُمْ والولدُ ثم یمیل لیعتبر هذه الثورة ثورة کل العرب: یا ثورةَ العُرْبِ انْهَضِی لا تخلقِی ما جَدَّدُوا لا عاشَ شَعْبٌ أهلُهُ لسانهم مُقَیَّدُ عمل الجواهری فی تشریفات الملک فیصل الأول مدة، وقد خص الملک بعدة قصائد مدح فیها الملک وخصه بصفات وخصال ممیزة: للهِ درُّکَ مِنْ خبیرٍ بارعٍ یَزِنُ الأمورَ بحکمةٍ وصوابِ یُعنَی بما تَلِدُ اللَّیالیَ حِیطَةً و یعدُّ للأیامِ ألفَ حسابِ مُتمکنٌ مما یریدُ یَنَالهُ موفورُ جأشٍ هادى‏ءُ الأعصابِ و اذا الشُّعوبُ تفاخَرَتْ بِدهاتِها فی فضِّ مشکلةٍ وحَلِّ صِعابِ جاءَ العراق مباهیاً بسمیدعٍ بادی المهابةِ رائع جذابِ وبعد أن یستمر بالقاء الصفات والمآثر على الملک، یرجع الى طرح نفسه بعنوان الشاعر النبیه الذی بامکانه أن یترصد الأمور: (دیوان الجواهری، ج 2، من قصیدة الى جنیف، ص 56) إنِّی هززتُکَ بالقوافی قاصداً بکَ خدمةَ التاریخِ والآدابِ أَطنَبتُ فی غُصَصٍ لدی کثیرةٍ تبیانُها یدعُو الى الإطنابِ لی حَقُ تَمحیصِ الأمورِ کَوَاحِدٍ مِنْ سائرِ الشُّعراءِ والکتابِ إذا أُصبتُ فَخَصلَةٌ محمودةٌ واذا زَلَلتُ فلَستُ فاقدَ عابِ وبعد وقوع ثورة 14 تموز عام 1958م سارع الى تأییدها ومبارکتها باعتبارها تحقیقاً لأمل کل الجماهیر، وقد مدح زعیم الثورة عبد الکریم قاسم بقصائد عدیدة، وکان بینهما علاقات صمیمیة حتى قیل ان الجواهری قد وجد فیه سیف الدولة: (نفسه، ج 5 ، ص 38 ؛ من قصیدة المستنصریة) أَعِدْ مَجْدَ بغدادَ ومجدُک أغلبُ وجَدِّدْ لها عهداً وعهدُک أطیبُ وأَطْلِعْ عَلَى المُستنصریةِ کوکباً وأَطْلَعْتَهُ حَقّاً، فإنَّکَ کوکبُ أقمتَ بها عزاً عریقاً مُکَعَّباً وکانَ بها ذُلٌّ عریقٌ مُکعبٌ ثم یملی على الزعیم مایراه مناسباً ومقام الثورة من ألقاب وأوسمة: أبا کلِّ حرٍّ لا أبا الشَّعْبِ وَحْدَهُ إذا احْتَضَنَ الأَحرار فی أمَّةِ أبِ انه لم یقتنع باعتبار عبد الکریم قاسم أباً للشعب العراقی بل تعداه فی ذلک الى أب جمیع الأحرار فی العالم، حینذاک یرى نفسه وقد تقرب الى قلبه مستغلاً المناسبة لیطلب منه إطلاق سراح بعض المسجونین ویکون لهم لدیه شفیعاً: أَبا کُلِّ حُرٍّ لِی إلیکَ شَفَاعَةٌ فهلْ أنا ذَیاکَ الشَّفیعُ المُقَرَّبُ ویقول: هنالکَ فیما بین مَثْوىً وآخر شباب عن الأفراحِ فی العیدِ غیبُ حنانَیْکَ لاتَغْضَبْ عَلَیهم بِظنَّه فَلَلْمَوتُ مِنْ سُخْطِ المُحِبِّینَ أَطْیَبُ ومن هنا بدأ الجواهری بتحذیر عبد الکریم قاسم من مؤامرات قد تحاک ضد الثورة: أبا الشَّعْبِ لاأُخْفِیکَ بَثّاً یَهُزُّنِی وما أنا لِلْخلِّ الصَّریحِ مُرَوِّبُ تَسَرَّبَ هَمْسٌ أنَّ فَقْعاً بِقَرْقرٍ یُعِیدُ شراکاً للهزبرِ ویَنْصبُ(2) (2) مروب: غاش؛ فقع بقرقر: کنایه عن مخلوق ضعیف، الهزبر: الأسد الکاسر. فی عام 1953م وبمناسبة تتویج الملک فیصل الثانی على عرش العراق وذلک بوصایة خاله الأمیر عبد الاله، ألقى الجواهری فی حفل التتویج قصیدة فی مدح الملک والوصی، وبعد سنین من ذلک اعتبر الجواهری هذه القصیدة هاویة وقع فیها، أو لحظات ضعف، وانتقد نفسه وشاعریته فی ذلک، وهذه من خصائصه فهو على الرغم من اباءه وغروره لکنه فی لحظات الهفوة یعترف اعتراف التائب العائد. فی کتاب الجواهری صناجة الشعر العربی فی القرن العشرین، تناول الدکتور زاهد محمد زهدی هذا الموضوع بالتفصیل. وعلى الرغم من أن الدکتور یضم صوته الى أصوات منتقدی هذه القصیدة، لأنها کانت فی زمن کان الألم یعصر بالعراقیین والتعسف والظلم کان ینهش جسم المجتمع العراقی، لقد أخطأ الجواهری فی تقدیره لزمن انشاد هذه القصیدة، على الرغم من کل هذا فقد دافع الدکتور دفاعاً حسناً عن الشاعر وقال: فاذا کان السادة الذین تصدوا للجواهری یأخذون علیه قصیدة مدح لهذا أو ذاک من رجال الدولة فی الثلاثینیات من هذا القرن فیطالبون برأسه لهذه الأسباب وبشطبه من قائمة القوى الوطنیة، فماذا یتوجب علینا أن نفعل بشعر أبی عبادة البحتری مثلاً حین یمدح خلیفة العباسی المتوکل قائلاً: قد جَعَلَ اللهُ الى "جعفرٍ" حیاطةَ الدِّینِ وقَمْعَ النِّفاقْ طاعتُهُ فَرْضٌ وعِصیانُهُ مِنْ أعظمِ الکُفرِ وأَعْلى الشِّقاقْ وما هو رأیهم حین یعزی البحتری المتوکل بوفاة أمه: لَئنْ رُزِئْتَ التی مامثلُهَا امرأةٌ لقد أتیت الذی مامثلُهُ رجلٌ والناسُ کلُّهُم فی کُلِّ حادثةٍ "فداءُ نَعْلِکَ" أنْ یَغْتَالَکَ الزَّلَلُ ثم ما رأى هؤلاء السادة، شانئی الجواهری بالشاعر العظیم أبی الطیب المتنبی وهو یمدح کافوراً: قالوا هجرت الیه الغیث، قلت لهم: الى غُیُوثِ یَدَیْهِ والشَّآبِیبِ(1) إلَى الذی تَهبُ الدَّولات راحتُُهُ ولا یَمُنُُّ عَلََى آثارِ مَوهوبِ (1) الشؤبوب الدفعة من المطر الشدیدة وجمعه شآبیب قال أبن جنى یقول ترکت القلیل من ندى غیره إلى الکثیر من نداه. ثم یقول هاجیاً الأستاذ الذی مدحه، یعنی کافوراً، فیقول فی هجائه: إِنّی نَزَلتُ بِکَذّابینَ ضَیفُهُمُ عَنِ القِرى وَعَنِ التَرحالِ مَحدودُ جودُ الرِجالِ مِنَ الأَیدی وَجودُهُمُ مِنَ اللِّسانِ فَلا کانُوا وَلا الجودُ هل نشطب على البحتری وعلى المتنبی مثلما یحاول البعض من هؤلاء السادة الأفاضل أن یشطبوا على الجواهری العظیم لمجرد أنه مدح بعض رجالات العهد الملکی؟ واذن فنحن انما ندرج قصائد الجواهری فی مدح بعض أقطاب الحکم فی العراق فی أوقات مختلفة فی باب الصراعات والمناورات بین هؤلاء الحاکمین. ولقد قال فی نقد قصیدته فی التتویج "لقد اغتصبت فی تلک الزلة ضمیری. لأنی وبمحض ارادتی هرولت مسرعاً الى تلک الهاویة" ولکن هذا لم یرض خصومه على الاطلاق. (زهدی، ص 349) نورد مقاطع من قصیدة التتویج: (الجبوری، ص 126) تِهْ یا ربیعُ بِزَهْرِکَ العَطِرِ النَّدى وبضوئک الزَّاهِی ربیع المولدِ(1) باهَ السَّما ونجومها مُتَشعشعٌ عریان مِنْ نجمِ الرُّبَى المُتَوقدِ یا أیها "الملکُ" الأغَرُّ تحیَّة مِنْ شاعرٍ باللُّطْفِ منکَ مُؤیّدِ أنا غرسُکُم أعلى أبوکَ محلَّتی نبلاً وشَرَّفَ فَضْلُ جدِّکَ مقعدِی ما کانتِ الزُّلْفَى ذریعةََ مغنمٍ یُرْجى ولست عَلََى اللهی بِمُعَوّدِ یا ابنَ البتولِ وفیکَ عزُّ شمائل مِنْ جدِّکَ النُّور الأغرّ محمدِ (1) تِهْ: مِنْ تاه یتیه تیهاً: تکبر، تائهة: المتکبر؛ شعشع: انتشر، شعشع الضوء انتشر. 2 - الرثاء: اذا کان الرثاء ممزوجاً مع المدح فی الشعر العربی، أی أن الرثاء فی الواقع هو مدح بفارق أن الممدوح هنا میت. ولقد کان للموت وقع خاص لدیه سواء بالنسبة الیه أو بالنسبة الى أطرافه. فقد أجاد الجواهری رثاء أحبائه أو الذین کان یعتبرهم نماذج تاریخیة، فقد رثاهم ورثا معهم المجتمع وحتى رثا نفسه معهم. مما یمتاز به رثائه قیاساً الى رثاء بقیة الشعراء هو أن الشاعر قد یتخذ الرثاء ذریعة للدخول فی مفردات کثیرة ومتنوعة، وأغلب الرثاء فی شعره یتخذ بالتالی طابعاً سیاسیاً تهکمیاً، أو انتقاداً لظروف خاصة، أو مطالعات سیاسیة واجتماعیة یبین فیها الشاعر آرائه المستخلصة من تجاربه السیاسیة والاجتماعیة. فالرثاء عنده ینقسم الى رثاء خاص وهو للمقربین من أهله ومعارفه، ورثاء عام ینشده لرموز وشخصیات سیاسیة، أجتماعیة، أدبیة. رثاءه، رثاء عاطفی یجیش مع الأحاسیس الصادقة التی تعبر عن احتراق داخلى للمفقود. و هو من القلائل فی اتخاذه رثاء نفسه، ویعود رثاء النفس هذا، الى ما کان یراه من غمائم سود فی رحاب الأفق السیاسیة، والأجواء التی کانت تحیط به، وهو على الرغم من کونه مشهوراً بالتفاؤل بحتمیة حصول التغییر وعدم بقاء الأرضیة لظلم الظالمین وطغیان الطغاة، لکنه لا یفتأ یتذکر الموت، هذا الهاجس الخطیر الذی لیس لأحد ابعاده عن نفسه. وهو القائل: مَنْ منکُمُ رغمَ الحیاةِ وعیبها لم یحْتسبْ للموتِ ألْفَ حسابِ أنا أبغضُ الموتَ اللئیمَ وَطیفَهُ بغضی طیوف مخاتل نصابِ ذئبٌ تُرَصِّدُنِی وفوقَ نُیوبِهِ دمُ اِخْوتِی وأقاربی وصحابی فی قصیدة "حافظ ابراهیم"، رثى الجواهری الشاعر حافظ ابراهیم وکان رثاءه فی الواقع رثاءً لنفسه وللآخرین الذین یخطفهم الموت لا محالة، قال: (الجواهری فی العیون من أشعاره، ص 112) نفوا إلى الشِّعْر حُراً کان یَرْعَاه ومن یشق على الأحرار منعاه(1) أَفْنَى الزَّمانُ عَلَى نادٍ "زَها" زَمَناً بِحَافِظ واکْتَسَى بِالحُزْنِ مَغْنَاهُ (1) منعاه: نعیه؛ مغناه: نشیده. ثم یستغل الجواهری رثاء حافظ ابراهیم لیطرح من جدید نظراته وتشائمه من الموت: ضَحیَّةَ الموتِ هَلْ تَهوِی معاودَهُ لعالمٍ کنتَ قیلاً من ضحایاهُ ما لذَّةُ العیشِ جَهْلُ العیشِ مَبْدَأُهُ والهمُّ واسطةٌ، والموتُ عُقباهُ أما فی رثاءه لأمیر الشعراء أحمد شوقی ومن خلال قصیدته عام 1932م فانه قد جعل حفل التأبین، مجلساً للبکاء على الأدباء والمفکرین، بل رثاءً للفکر والإنسانیة: (دیوان الجواهری ج2 ص133) طَوَى الموتُ رَبَّ القوافی الغُرَرْ و أَصْبَحَ شوقی رَهینَ الحُفَرْ وجِئْنَا نُعَزِّی بِهِ الحاضِرینْ کأنْ لم یکُنْ أمسِ فیمَنْ حَضَرْ ومن هنا یقفز الجواهری الى نظریه تنازع البقاء وحتمیة الصراع وبالتالی الرحیل والموت ان شئنا أو أبینا: ولکنْ یریدُ الفَتَى أنْ یَدُومْ ولو دامَ سادَ علیهِ الضَّجَرْ ویَأْبَى التَّنازُعُ طُولَ البَقاءْ وتَأْباهُ بَغْیاً نُفُوسٌ أُخَرْ وهنا یسجل الجواهری قمة التصویر والتمثیل فی رداء الرثاء: "شکسبیر" أُمَّتُهُ لَمْ یُصِبْ................هُ بِالْعِی داء ولا بالحصرْ کأنَّ عیونَ القوافِی الحِسا نِ مِنْ قبلُ کانَتْ لَهُ تدخرْ وان اصدقنَ "فشَوْقِی" لَهُ عیونٌ منَ الشِّعرِ فیها حَوَرْ ولقد أبدع الجواهری فی مجال الرثاء أجمل الابداع، وخلق معجزة شعریة قد لا تضاهیها أخرى، وهی قصیدته الرائعة فی رثاء أبی الأحرار الأمام الحسین (ع) «آمنت بالحسین»، فقد سجل سطوراً حماسیة خالدة، أضافها الى ما قیل من شعر النعی والرثاء على الحسین (ع). ولم یکن عبثاً بکتابة خمسةعشر بیتاً منها بالذهب على الباب الرئیسی الذی یؤدی الى الرواق الحسینی (من المتقارب) فداءً لمثواکَ مِنْ مَضْجَعٍ تَنَوَّرَ بالأَبْلَجِ الأروعِ(1) بأعَبْقَ مِنْ نَفَحَاتِ الجنَا..................نِ روحاً ومنْ مِسْکِهَا الأَضوعِ ورعیاً لِیَوْمکَ یَوْمَ الطُّفُوفْ وَسَقْیاً لأرْضِکَ مِنْ مَصْرَعِ فیابنَ "البتولِ" وَحَسْبِی بها ضَماناً عَلَى کلِّ ما أدَّعِی (1) الأبلج: وضّاء الوجه؛ الأروع: المعجب بشجاعته أو حسنه. ومن الممکن القول أن براعة هذه القصیدة تعود الى الأرضیة النجفیة للجواهری، حیث المنابر الحسینیة وأیام عاشوراء ومجالسه، وهنا یصل الى بیان صراع الحق مع الباطل وعدم استسلام الامام الحسین (ع) للباطل، و اباءه وشجاعته بتقدیم نفسه رخیصاً للهدف الأسمى: وعَفَّرت خدِّی بحیثُ استرا.............حَ خَدٌّ تَفَرَّى ولم یضرعِ(1) وحیثُ سنابکِ خیلِ الطُّغَا.....................ةِ جالتْ علیهِ ولم یَخْشَعِ (1) لم یضرع: لم یضعف ولم یتذلل. وفی لحظات قدسیة یتأمل الجواهری ویرى أنه قد یتقن بالاعتماد على عقله دون أی مصدر آخر، بأن السر فی هذا الاباء وفی هذا الشموخ الذی یستنکف عن عرض الحیاة الدانی ویتسلق سلم المجد، یکمن فی عظمة الامتداد النبوی عبر الامامة، والذی هو امتداد للوحی: وَآمَنت إیمانَ مَنْ لایَرى سِوَى العقلِ فی الشَّکِّ مِن مَرْجَعِ بأنَّ الاباء، ووحیَ السَّماء وفیضَ النبوةِ، مِنْ مَنْبَعِ تَجَمَّعَ فی جوهرٍ خالصٍ تَنَزَّهَ عَنْ عَرَضِ المَطْمَعِ فی عام 1956م دُعی الجواهری الى دمشق للاشتراک فی حفل تأبین الشهید عدنان المالکی، وقد نظم قصیدة فی رثاء الشهید ولکنها کانت قصیدة سیاسیة أشار فیها الشاعر الى جملة أمور سیاسیة ومؤامرات کانت تحاک ضد الأمة العربیة فی العراق وسوریا وقد اشتهرت هذه القصیدة اشتهاراً بالغاً وأی محفل یذکر فیها الجواهری یذکر معه غاشیة الخنوع: (الجواهری فی العیون من أشعاره، ص 376) خَلَّفْتُ غاشیةََ الخُنوعِ وَرائی وأتیتُ أقبسَ جمرةَ الشهداءِ مِنْ عَهْدِ "قابیل" وَ کلُّ ضحیَّةٍ رمزُ اصطراعِ الحَقِّ والأهواءِ وعندما یتم توصیف حالته السیاسیة وهروبه من العراق، یرجع لیرثی المالکی، یجعل من رثاءه مجلساً لعرسه فالشهادة فی عرف الأبطال عرس للعروج والارتقاء. قِفْ بی فلستُ بمأتمِ الرِّثاء أیهان عرس رُجُولةٍ ببکاءِ ثم یحاول استنطاق الشهید لتکتمل اللوحة ولیتطرق الى الأوضاع السیاسیة فی بلده وقیود الأحلاف: عدنانُ أنْطَقَنِی فَقَدْ حنقَ الشَّجا بفمِی البلیغِ مقالةَ البُلَغاءِ حاسبت نفسَ الأناةِ تردها فی معرضِ التَّصریح للایماءِ أسطورةُ "الأحلافِ" سوفَ یَمجُّها التاریخُ مثلَ خرافَةِ الحُلَفاءِ(1) (1) المقصود هو- حلف بغداد - الذی کان الشهید فی جملة الاحرار الشجعان الذین یناصبونه العداء. 3- الوصف لقد قیل قدیماً ان الأصل فی الأغراض الشعریة هو الوصف، بل أن بقیة الأغراض عمادها الوصف، سواء کانت مدحاً أو رثاء، أو حماسة، أو غزلاً، أو فخراً، أو أی غرض آخر، فالوصف هو الغرض الشعری الذی به یستبان قدرة الشاعر الابداعیة ونفوذ خیاله فی تجسید الرموز المطلوبة وترسیمه فی لوحة فنیة یستذوقها المتلقی، فبراعة التصویر هی التی تجعل المتلقی یحس بلذة الشعر، ومن ثم یحمله التأثر بوقعه الفنی، وتأتی المضامین والأشکال الفنیة الاخرى فی مرتبة بعد هذا الوصف. على الرغم من أنه قد بدأ مشواره مع الشعر متفاعلاً مع قضایا سیاسیة کبرى، الا أن الوصف لدیه قد بدأ یتفجر عنده من خلال تأثره العمیق بالطبیعة الایرانیة عبر زیارتین قام بهما لایران فی عامی 1926 -1924م وهو ینبهر انبهاراً بجمال وروعة الجغرافیة والطبیعة فی ایران وتراه قال عن ذلک: (ذکریاتی ج1، ص 122) فمن النجف المحاطة بالسور العتیق المتهاوی وقبورها، لا أرید أن أظلم شواطئها الصغیرة والجمیلة معاً، من هذه البیئة وبحق وأمانة ففیما یفصل بین صورها الحزینة هذه وبین بهجة الرملة الحمراء، فقد شاءت الصدفة أن أتجاوز ذلک بسفرتی الأولى ربوع ایران، واذا بی بین الینابیع الدرارة والسهول الخضراء والجبال الشاهقة العملاقة وأغانی الرعاة والبدو الرحل أصحاب المقامات الشهیرة وبأنغام النای الجمیل والحان "التار" الساحرة اللذین ظلا یأسران النفوس قبل الأسماع منذ آلاف السنین« فأنشد قصائد عدیدة فی وصف الطبیعة الخلابة لایران، مثل قصیدة الریف الضاحک، وقفة على کرند، على دربند، الخریف فی فارس، فی شمیرانات طهران.. وغیرها. وکانت أغلبیة هذه القصائد جاءت من وحى صفاء الجو، واعتدال المناخ وعذوبه الهواء للطبیعة الایرانیة الساحرة على حد قول نفسه. ولقد قال أیضاً: ففی هذه المقاطع، وقلیل من غیرها، استطعت أن أعرف ما هو الشعر الطبیعی، وکیف تثور النفس الشاعرة، وتختلج الفکرة، ویدب المعنى ویختلق النفس. جاء فی قصیدة برید الغربة فی وصف شمیرانات طهران: (دیوان الجواهری ، ج 1، ص 360) هَبَّ النَّسیمُ فَهَبَّتِ الأشواقُ وهفا الیکُم قلبُهُ الخفاقُ هی "فارسٌ" وهواءُها ریحُ الصَّبا وسماؤُها الأغصانُ والأوراقُ "شمرانُ" تُعْجبنِی، وزهرةُ روضِها وهواءُها ونمیرُها الرّقْراقُ الى أن یقول: وعلیهِ مِن وَرَقِ الغُصُونِ سرادقُ مَمدودةٌ ومِنَ الضلال رواقُ فی کلِّ غُصْنٍ لِلْبَلابِلِ ندوةٌ وبِکُلِّ عُودٍ لِلغِنا إسحاقُ وقال فی قصیدته "على دربند" عام 1926م: قُرىً نُظِّمَت نَظمَ الجمانِ قلائداً أو الدُّرِ مزداناً أو الماسِ رصعاً صفوفٌ من الأشجارِ قابلنَ مثلها کما مصرع فی الشِّعرِ قابل مصرعاً وَقَفْتُ عَلَى النَّهرِ الذَّی مِنْ خَرِیرِهِ فرعتُ منَ الشِّعْرِ الإلهی مَطْلَعا لقد عبر عن جمال وبداعة مصیف دربند فی طهران، ففکر فلم یجد أحلى وأدق ترتیباً وتنظیماً للصورة الرائعة فی قلائد الجمان أو الدرر والالماس الذی یبهر العیون والقلوب معاً، لیقرب التشبیة لدرک سحر و جذابیة هذه الطبیعة. و هو فی وصفیاته لایبتعد عن شاعره المحبوب رسام الوصف الشعری أبی عبادة البحتری، فهو یحاکی الطبیعة والجمادات لیشکل رباط حی مع الانسان ویزقها بالحرکة والنشاط. رغم أنه لا یوصف بشاعر الوصف ولم یصل فی هذا الى محبوبه البحتری الا أنه مارس الوصف ورسم صور النهر والنخیل والشواطى‏ء والجبال فقدم لوحات براقة فی سماء الشعر العربی، مثل "بغداد على الغرق"، "الفرات الطاغی"، "الغراف المیت"، "بعد المطر"، "یا فراتی" و "دجلة فی الخریف" و"دجلة الخیر"، أنه فی لوحاته هذه یقف على الماء رمز الحیویة لیضفى حیاتاً ونشاطاً على کل شی‏ء، ولعل هذا یرجع الى عشقه الکبیر لرافدین العراق الخالدین واللذین هما رمز البقاء والحیویة فی العراق، قال فی قصیدة "بعد المطر": (نفسه، ج 1، ص 306) عاطَى نباتَ الأرضِ ماءُ السَّما ما لاتُعاطِیهِ کُؤوسُ الرَّحِیق أوشَکَتِ القِیعانُ إذْ فتحت لها السَّما، مما عَرَاها تضیق ویتحول الى ما بوسع المطر أن یبعث الروح والحیاة فی کل شی‏ء لاسیما حین یأتی الربیع الطلق: جاءَ الربیعُ الطَّلِقُ فاستبشری غریمک البرد طرید طلیق کُلُّ وجوهِ الأرضِ مکسوة لفائف الأزهار حتَّى الطَّرِیق و ها هو یصل الى أعلى صُوَره الوصفیة فی "یا دجلة الخیر"، وهو بعید عنها لیخطط على قلبه الخفاق ماءها، وشواطئها، وسفحیها، فینادیها، ویشکو الیها، ویوعدها اللقاء: )الجواهری فی العیون ...، ص 428( یادجلةَ الخیرِ یا نبعاً أفارقُهُ على الکراهةِ بینَ الحینِ والحینِ حییتُ سفحَکِ ظمآناً ألوذُ بِهِ لَوذَ الحَمائمِ بین الماءِ والطینِ یا دجلة الخیر: یا أطیاف ساحرةٍ یا خمرَ خابیةٍ فی ظِلِّ عُرجونِ وفجأة یصف دجلة الحب، دجلة الخیر بوصف جدید فیه خشونة فیه شکوى سببتها الغربة و البعد: یا سکتةََ الموتِ، یا إعصارَ زَوْبَعَةٍ یا خِنْجَرَ الغَدْرِ، یا أغصانَ زیتونِ 4- الشعر السیاسی یعتبر الشعر السیاسی الغرض الاکبر حجماً فی دیوان الجواهری، وذلک أن هذا الغرض هو الوسیلة والهدف معاً، لقد جمع بینهما، أی جمع بین روعة وقمة الفن الشعری وبین الاحتراف السیاسی، والسیاسة فی مذهبه لا تعنی سوى، الخوض فی غمار الأحداث، الأحداث التی ترتبط بمصیر الجمیع، فهی لیست من باب التملق السیاسی وارتداء زی السیاسیین بغیة مطالب ومکاسب، بل السیاسة عنده المقاومة، عدم الرکون، الغربة والابعاد، هذه هی مفرداته السیاسیة و الشعریة. وقد تشابکت وتلاحمت قصائده مع حیاته السیاسیة، فلا شعر دون مقاومة الطغاة، و دون الوقوف فی الصف الامامی فی مظاهرات الشعب، ولا شعر دون تمجید الشهداء والوقوف مع المظلومین والمنکوبین، ومقارعة أعوان الاستعمار وأذنابه، فهو سجل حافل بالتاریخ السیاسی للعراق والأمة العربیة. لا یمکن لمن یرید أن یدرس الأوضاع السیاسیة فی العراق منذ مطلع القرن العشرین وحتى الثمانینیات، تجاهله، شاعراً سیاسیاً، صانعاً للأحداث، محرکاً للتطلع والآمال، حامیاً للضعفاء والمحرومین، حاضراً فی قلب المسیرة وکأنما السیاسة عاجزة عن التخلی عنه ولا الجواهری بامکانه التجزؤ والانفراد دونها، ولعله الشاعر الذی امتاز بین أقرانه من فطاحل الشعراء لم یرکن، ولم یهدأ، ولم یخمد وکانت عصاه فی کل حال على أهبة الاستعداد ودون کلل: أنا حتفُکم أَلِجُ البیوتَ علیکم أغری الولیدَ بِشَتْمِکُم والحاجِبا بعیداً عن کل ماقاله الجواهری تبقى الصورة السیاسیة والغرض السیاسی هو الطابع الأکثر وضوحاً والأکبر مساحة فی شعره. والیوم لا یمکن للمؤرخ المنصف لتأریخ العراق الحدیث أن یکون صورة موضوعیة عن نضال الشعب العراقی فی سبیل حریاته الدیمقراطیة وحقه فی المواطنة الکریمة، والمشارکة فی الحکم دون أن یقرأ دیوانه قراءة متفحصة، وأیا کانت الصورة التی یخرج بها فانه لا یستطیع أن یهمل دور الکلمة الشعریة هذه، لسنا نقصد بذلک أن شعره أصبح وثیقة تاریخیة بالمعنى الضیق للکلمة، بل نعنی أن شعره کان التعبیر الفنی الأکثر صدقاً ونضوجاً عن معاناة الشعب العراقی ومأساته الدامیة، وبالأخص منذ أربعینیات هذا القرن وحتى الوقت الحاضر.(الراضی، مجلة المدى، عدد 19) لقد ذاعت شهرته ذیوعاً کبیراً لاسیما بعد الحرب العالمیة الثانیة وبعد أن وصل صوته الى ساحة شعر الوطن العربی کله، واقترن اسمه بتاریخ العراق السیاسی الحدیث. (علوان، ص 257) فقد صرخ للعراق، وصرخ لکل العرب فی مصر، ولبنان، وفلسطین، والمغرب، والجزائر وسوریا، فقد استوعب فضلاً عن العراق ومصائبه هموم الوطن العربی: یتبَجحوُنَ بأنّ مَوجاً طاغیاً سَدُّوا علیهِ مَنافذاً ومَساربا کذبوا فَمِلء فمِ الزمان قصائدی أبداً تجوبُ مشارقاً ومَغاربا تستَلُّ من أظفارِهم وتحطُّ من أقدارِهمْ ، وتثلُّ مجداً کاذبا لقد أکتنز فی خیاله کل ما مر على قومه وبلاده من عسف وجور من الحاکمین خلال القرون السبعة المظلمة، ورأى مجتمعه الذی یعج بالمشاکل والعقد، فاندفع یصور ذلک ویفهم الجیل الحائر بما یتصوره من مثل وآراء وسلوک (الخاقانی، ص160) اشتهر بلقب شاعر العراق الأکبر، وصار من مشاهیر الشعراء وأکثرهم نظماً فی الشعر السیاسی والاجتماعی، وربما لا تجد حدثاً فی العراق والوطن العربی لم یتناوله فی شعره (الفتلاوی، ص 613) فلاعجب أن یشتمل شعره على السیاسة، اشتمال الجسم للروح، فهو یعیش أحداثاً جسام، یرى سقوط الدولة العثمانیة ویسمع تراتیل الثورة العربیة بقیادة الشریف حسین، ومن ثم خمود الثورة ونفی قائدها، وقد جسد الحادثة بقصیدته "سجین قبرص" حین قال: هی الحیاةُ بإحْلاء وإمْراء تَمْضی شعاعاً کزندِ القادحِ الواری سجیةُ الدهرِ والبَلْوى سجیتُهُ تقلبُ بین اقبالٍ و إدبارِ من هنا یستهزأ بالاستعمار البریطانی ووعوده الکاذبة: ما للتَّمدنِ لاینفکُّ ذا بِدَعٍ فی الکونِ یأنف منها وحشة الضاری کم ذا یسمون أحراراً وقد شهدت فـعـالهم أنـــها من غیر أحـــرار ثم على عادته ینهض بالعرب ویدعوهم الى الوعی والفطنة وتجنب الاغفال والوقوع فریسة لخداع وخیانة الاعداء: (من قصیدة سجین قبرص، الجواهری فی العیون ....، ص 62) نهضاً بنی العرب العرباء إنَّکُم فرائسٌ بینَ أنیابٍ وأظفارٍ أَ رقدةً وهواناً أنَّ بعضَهما مما یفت بأصفادٍ وأحجارٍ ولا یفوت الجواهری وهو یعیش أعظم حدث سیاسی فی تاریخ العراق الا وهو ثورة العشرین ضد الاستعمار الانکلیزی. فانبرى لها وساندها ونظم قصیدة "الثورة العراقیة" التی ناهزت الخمسة وثمانین بیتاً، متباهیاً ببطولات الثوار وخاصة زعیم الثورة المرجع الدینی الشیرازی داعیاً الشعب الى وحدة الکفاح وازالة الخلافات المذهبیة من أجل وحدة الامة وانتصارها حینما قال: لَعَلَّ الذی وَلَّى مِنَ الدَّهرِ راجعُ فلا عیش إن لم تبقَ الا المطامعُ تُحَدِّثُ أوضاعُ العِراقِ بِنهضةٍ تُرَدِّدُها أسواقُهُ والشَّوارِعُ وصرخَةُ أغیارٍ لانهاضِ شَعْبِهِمْ وإنعاشُهُ تَسْتَکُّ منها المسامعُ ثم یوجه خطابه الى ناشئة العراق وشبابه باعتبارهم الأمل والعمود الفقری لمستقبل ثورة العراق: لنا فیک یا ناشى‏ءَ العراقِ رغائب أیسعفُ فیها دهرُنا أم یُمانعُ ستأتیکَ یا طفلَ العراقِ قصائدِی وتَعْرفُ فحواهن اذ أنتَ یافِعُ وهنا یخاطب قائد الثورة العشرینیة ویوصفه بالقائد الذی ینام بعین وبأخرى ساهرة عن أبناء الشعب لیتقیهم شرور الأعداء: (من قصیدة الثورة العراقیة، دیوان الجواهری، ج 1،ص 101) ومحى للیل ألتم یحمی بطرفه ثغوراً أضاعتها العیونُ الهواجعُ(1) مهیب اذا رامَ البلاد بلفظةٍ تدانَتْ لَهُ أطرفُهُنَّ الشَّواسِعُ ینامُ بإحدَى مُقْلَتَیْهِ ویَتَّقِی بأخُرَى الأعادِى فَهْوَ یقظان هاجِعُ (1) الهواجع: جمع هجع، النوم، العیون الهواجع: العیون النائمة هذا هو الجواهری الشاعر السیاسی الذی یتزاحم رؤساء الأحزاب السیاسیة والقواد ببابه، فقد کان صوتاً یطالب بالاستماع الیه کل قادم الى العراق مما اضطر رجال السلطة الى دعوته، مما زاد فی شهرته تلک، الصحف التی أصدرها (الموسوی،، ص 159) فالجواهری من شاعر نجفی، ثم مدرس فی المدارس، الى رئیس تشریفات أقوى ملک عربی فی حینه، وهو الملک فیصل الأول ملک العراق، والى الجواهری الصحفی المحرک للأحداث، والنائب الممثل للشعب فی المجلس الوطنی، هذه کلها عوامل أصقلت الروح الشعریة لدیه نحو السیاسة، لتکون السیاسة هی البعد التعبیرى المجسد لآلام وأمانی الأمة. أما على مستوى الوطن العربی فقد غنى الجواهری للعرب جمیعاً أنشد للمظلومین فی فلسطین، أنشد لمصر وسوریا، والجزائر، وتونس، وبقیة أرجاء الوطن العربی، أما قصائده الذائعة الصیت "غاشیة الخنوع"، و«فاحت جروح فلسطین» و«باق أعمار الطغاة قصار» و«الثورة السوریة»، و«أطبق دجى» و «یوم الشهید» و«أخی جعفر»، و«یا دجلة الخیر» و«یا أمتی یا عصبة الأمم» الا غیض من فیض ابداعیاته لتسخیر القافیة فی خدمة الأحداث السیاسیة. هذا و تأثر الجواهری من البعد العالمی والعوامل الأخرى التی أوجدت لدیه توجهاً سیاسیاً أدبیاً، وأثرت تأثیراً مباشراً على الشعر السیاسی لدیه صعوداً وتألقاً. فلقد کان له حضور فی أرقى وأشهر المؤتمرات الدولیة، وألتقى فی حیاته بأعلام مشهورة لهم الأثر الخالد على الابداع البشری بشکل عام. فقد حضر عام 1948م أول مؤتمر للسلام العالمی فی بولندا وکان ضمن الوفد الثنائی هو وطه حسین لتمثیل العالم العربی فی هذا المؤتمر، ولأسباب مجهولة یتفرد بالحضور ویتغیب طه حسین عن المؤتمر لیصبح هو ممثل العرب الوحید، ولقد التقى على هامش هذا المؤتمر بالفنان العالمی «بیکاسو»، والشاعر «بابلو»، والروائی الشهیر «البرتومورافیا» و«مدام کوری» وغیرهم (الراضی، مجلة المدى، عدد 19) وطالما قال: (نفسه)«لا یزال فی نفسی أثر لا یمحى لأولئک الرجال العظام الذین ترکوا بصماتهم الخالدة فی کل مجال من مجالات الحیاة وفی سیر الاحداث فی العالم» لقد کان فی موقع تکریم وتمجید من قبل مؤسسات عالمیة ثقافیة وسیاسیة، فالموسوعة البریطانیة العالمیة الشهیرة اختصت الجواهری باعتباره واحداً من المشاهیر فی العالم وکذلک الموسوعة البریطانیة، العربیة الجدیدة أشارت الیه بصفته من مشاهیر الشخصیات فی العالم وذلک فی رسالة بعثتها الى الشاعر (الجواهری فی العیون، ص 39.) لا ریب انه لا یستطیع أن یتخلص من نزعته السیاسیة حتى وهو یلتقی بصدیقیه ابراهیم عبد القادر المازنی واسعد داغر ببغداد:( الموسوی، ص 161) أَأسْعَدُ إنَّ حدیثی الیکْ حدیثَ مقیمٍ الى ظاعِنٍ حدیثَ أخٍ لکَ مُسْتَأْنسٍ لِلُطْفِ مُسامرِهِ راکِنِ أخافُ السیاسةَ خوف اللَّدِیـ ـغِ مِنْ أَرْقَمٍ نافِخٍ شاحنٍ وحتى فی مناجاته مع نفسه وحواراته النفسیة تطفح بالقضایا السیاسیة ویتحرق ویتلوع لامر السیاسة التی لم تأت على ما یریده، أو لم تکن متآلفة مع طموحاته وآماله. فی قصیدة یا "أبن الثمانین" قالها وکأنه یخاطب العراق فی ثمانینه بعد عقود من المسرات والأوجاع عاشها الجواهری والعراق فی بدن واحد، قال "یاابن الثمانین" وفی نفسه غصة أن یرى العراق ویموت فیه ولکن: (جریدة الزوراء، عدد 155) حَربٌ عَلَى کُلِّ مَوْهوبٍ وموهبةٍ لدیهِ مُسرجة الأضواءِ والشُّعَلِ ثَبِّت جنانکَ لِلْبَلْوَى فَقَدْ نُصِبَتْ لکَ الکمائنُ مِنْ غدرٍ ومِنْ خَتَلِ لقد کان الشعر السیاسی للجواهری شعراً ملتزماً واعیاً للظرف السیاسی، مترجماً لجزءیات الأحداث السیاسیة للعامة من الناس یفوح منه رایحد الدم والتحدی المکشوف متبعاً للنظریة الجواهریة التی تقول "أقول الشعر ولیحدث ما یحدث" وجامع الحیدرخانه شاهد باق، وکذلک مناطق أخرى من بغداد. وها هو یتصدر غضبه الجماهیر وتجمعهم فی تأبین شهداء الوثبه عام 1948م، شهداء الجسر بما فیهم الشهید جعفر أخو الجواهری، حیث یصرخ بوجه الطغاة ویعلن: أتعْلمُ أمْ أنتَ لا تعْلمُ؟ بأنَّ جراحَ الضَّحایا فَم ُّ؟ فمّ ٌ لیسَ کالمدَّعِی قولة ً ولیسَ کآخرَ یسترحم ُ یَصِیحُ عَلَى المُدْقِعینَ الجیاعْ أَرِیقُوا دماءَکُمُ تطعَموا(1) ویَهْتفُ بالنَّفَرِ المُهْطِعین أهینوا لِئامَکمُ تُکرَمُوا أَتَعَلْمُ أنَّ رقابَ الطغا.............................ةِ أثقلَها الغنْمُ والمأثمُ وأنَّ بطونَ العُتاةِ التی منَ السُّحْتِ تهضمُ ما تهضمُ (1) المدقعین: الأشد فقراً؛ المهطع: الذلیل؛ العتاة: الطواغیت، السحت: المال الحرام. ثم یلملم هتاف الجماهیر وغضبهم، لیزقهم بشحنات ساخنة یفور بها السخط الدموی والاعتراض الصارخ: أَتَعَلْمُ أن جـِراحَ الشَّـهیـد تـَظـَلُّ عن الثأر ِ تـَسْـتـَـفِهـمُ أَتَعَلْمُ أن جـِراحَ الشهیـد منَ الجوعِ تـَهضِمُ ما تـَلهمُ تـَمُصُّ دما ً ثـمَّ تَبْغِی دما ً وتبقى تُـلِـحُّ وتـَسْـتـَـطعِـم الى أن یصل الى الأعلان عن طلب الثأر، وأنه لا محالة فالقتلة سوف یحاسبون، وأن دماء الشهداء لا تذهب هدراً: (دیوان الجواهری، ج3، ص 263) أخی جعفراً لا أقولُ الخَیالْ وذو الثأرِ یَقْظانُ لا یَحلُم ولکنْ بما أُلهِمَ الصابرونْ وقد یقرأُُ الغیبَ مُستَلهِمُ أرَى أُفُـقاً بنجیــعِ الدمـــا............................ءِ َنوّرَ وَ اخْتَفَتِ الأَنجُمُ صُرِعْتَ فحامَتْ علیکَ القلوبْ وَخَفَّ لکَ الملأُ الأعظمُ أخی جعفراً بعهــودِ الإخا...........................ءِخالِصَةً بیننا أُقْسِمُ وبالدمعِ بعدکَ لاینثنی وبالحُزْنِ بَعْدکَ لایُهْزَمُ اما حادثة المسبح ومناسبة تکریم هاشم الوتری عمید کلیة الطب، فحدث ولا حرج، حیث أن الأوضاع العامة فی العراق کانت أوضاع اعتقالات، تعسف، مداهمات والبلد فی فوضى عارمة یُدعَى الجواهری الى الحضور فی هذه المناسبة، أی مناسبة قبول الدکتور هاشم الوتری فی الجمعیة الطبیة البریطانیة، ولمواقف الدکتور الوطنیة، ولرغبة جامحة للجواهری بتحدی الطغاة یقبل الدعوة، الحضور رسمی وشعبی، وزراء، وزراء سابقین، ممثل البلاط الملکی وکان ذلک فی العام 1949م، لم تمضی الا شهور على قنبلة الجواهری فی أخی جعفر، ویصعد الجواهری والعیون تترقب البلبل العنیف: مجَّدْتُ فیکَ مَشاعِراً ومَواهبا وقضیْتُ فَرضاً للنوابغِ واجِبا بالمُبدعینَ الخالقینَ تنوَّرَتْ شتَّى عوالمَ کُنَّ قبلُ خرائبا شرفاً « عمیدَ الدارِ» علیا رُتبةٍ بُوِّئْتَها فی الخالدین مراتبا ولأنتَ صُنْتَ الدارَ یومَ أباحها باغٍ یُنازلُ فی الکریهةِ طالبا(1) (1) بوأ: نزل فیه واقام او دخل فیه، بوئتها: دخلت فی اعلى مقام؛ أباحها: هتک حرمتها، باغ: طاغ ثم یمیل بسیفه نحو کبار القوم الجالسین فی الصفوف الأمامیة لیقول: إیهٍ عمیدَ الدارِ کلُّ لئیمةٍ لابُدَّ - واجدةٌ لئیماً صاحبا ولقد رأى المستعمِرونَ فرائساً منَّا ، وألفَوْا کلبَ صَیْدٍ سائبا(1) أعَرَفتَ مملکةً یُباحُ " شهیدُها " للخائنینَ الخادمینَ أجانبا خُبِّرْتُ أنَّکَ لستَ تبرحُ سائلاً عنّی ، تُناشدُ ذاهباً ، أو آیِبا وتقولُ کیفَ یَظَلُّ نجم ساطعٌ ملءُ العیونِ ، عن المحافل غائبا أُنبئکَ عن شرِّ الطّغامِ مَفاجراً ومَفاخراً ، ومساعیاً ومکاسبا (1) سائب: مشرد، لاصاحب له. هنا تصل القلوب الى الحناجر، الکل فی صمت قاتل، هدوء قبل العاصفة، عیون المتصدرین بدأت تقدح شراراً، وتملأ غیضاً وتحدق هنا وهناک، لعل الجواهری یهدأ أو على الأقل لا یکمل القصیدة، أما الجواهری العنید، السیاسی الشاعر هذه هی فرصته الذهبیة، وساحته القتالیة. اذن لیغتنم الفرصة ولیحصل ما یحصل، فهو یدری بعاقبه الأمور، أنه السجن طبعاً، ألم یجهز عائلته، ألم یرسلهم الى النجف بعیداً، فلیقو کلمته، فلیجهز علیهم جمیعاً: (من قصیدة هاشم الوتری، دیوان الجواهری، ج 3، ص 391) ماذا یضرّ الجوعُ ؟ مجدٌ شامخٌ أنی أظلّ مع الرعیة ساغِبا أعلِمتَ هاشمُ أیُّ وَقْدٍ جاحمٍ هذا الأدیمُ تَراهُ نِضواً شاحِبا ؟ أنا ذا أمامَکَ ماثلاً متَجبِّراً أطأ الطُغاة بِشَسْعِ نَعْلِیَ عازبا (1) آلیتُ أقْتَحمَ الطُغاةَ مُصَرِّحاً إذ لم أُعَوَّدْ أنْ أکونَ الرّائبا (1) شسع النعل: خیط النعل. وفی ذکرى تأبین الزعیم الوطنی اللبنانی عبد الحمید کرامی، دُعی الجواهری عام 1951م للمشارکة فی هذا الحفل التأبینی وأنشد قصیدته المشهورة التی فیها: باقٍ، وأعمارُ الطغاةِ قصارٌ مِنْ سِفْرِ مجدِکَ عاطرٌ وموارٌ متجاوبُ الأصداءِ نَفْحُ عبیرِهِ لطفٌ، ونفحُ شذاتِهِ أعصارٌ ثم یخاطب لبنان ویناجیه و یدخل الموضوع الذی یریده وان سیکون فی ذلک طرده وابعاده عن لبنان، فهو لابد له من القاء مایرید وما یقصد وان کان ضیفاً، وان کان فی لبنان فلبنان عنده هو العراق، لا اختلاف فی أمر السیاسة والظالمین: لبنانُ نجوى مرةٌ وسرارُ‏ إنا بحکمِ بلائِنا سَمَّارُ‏ (1) ماذا یُرادُ بنا وأین یُسارُ‏ واللَّیْلُ داجٍ والطَّرِیقُ عثارُ‏ أ عُقابَ لبنانٍ تُدَنس وَکْرُهُ للأجنبی قواعدٌ ومطارُ؟ (1) سمار: جمع سامر أی الذی یتحدث مع جلیسه لیلا ً ویقال لا افعله ابداً ما تسمر سامر «المعجم الوسیط». وأخیراً یأتی على بیت القصید، أو الهدف من القصیدة، لیلقی نفسه بعد الالقاء مطروداً وممنوعاً من دخول لبنان، لا یضره ذلک، فلن یخاف من هذا: (الجواهری فی العیون ، ص 322؛ من قصیدة عبد الحمید کرامی) تَنْهَى وتأمرُ فی البلادِ عِصَابَةٌ‏ یَنْهَى ویأمُرُ فوقَها استعمارُ َخویتْ خزائنُها لما عَصَفَتْ بها الشَّهَواتُ، والأسباطُ والاصهارُ وتَیَقَّنُوا أنْ لا وجار یَقِیهِمُ حتفاً وللضَّبِّ الضَّلیلِ وِجَارُ فَهُمْ وفَرْطُ الحِقْدِ لاثَ دماءَهُم کلبٌ بهم لدمائِنا وسعارُ خلاصة القول أن هناک عوامل کثیرة، منها تتعلق بالشخصیة الفذة للجواهری ومنها تتعلق بالظروف السیاسیة الدولیة على المنطقة العربیة، قد أثرت على قریحته الشعریة، وأصبح الشعر السیاسی سواءً کان مدحاً، أو رثاءً، أو حدثاً، أو مناسبة الطابع الغالب على مجمل شعره، فهو شاعر الوطن والأمة الانسانیة. 5- الغزل عندما نقول الغزل فی شعر الجواهری، طبعاً لا نقصد الغزل المعهود، ذلک الغرض الشعری الذی تطرق الیه جل شعراء العرب من الجاهلیة الى الزمن المعاصر، فالغزل فی أغراض الجواهری الشعریة یختلف تماماً، فهو لیس عرضاً شعریاً فنیاً وحسب، بل له وجهة نظر خاص، تختص به فی نظراته وتلقیاته للمرأة. فللدخول فی بحث غزله، یقتضی التریث، والأناة، أو بالاحرى لنتهیأ ولنقول الجواهری والمرأة، أو الجواهری والنساء، فله کما لبقیة الشعراء، جولات ومواقف تتحدد فی أطار جملة عوامل دفعته لنحت تمثال المرأة فی قلبه وفی حیاته. ذلک تعود الى تلک المسحة المزاجیة الحادة الساخنة، المنقلبة التی لا تستقر على قرار، التی لا تهدأ، لا تخمد، تعترض بسرعة، تثور بسرعة، تعطی بسرعة، انها علاقة ذو اشکالیة یصحبها الجدل المتعنف ما بین حدة المزاج والثوریة الراسخة فی الجواهری وما بین اللطافة والبداعة والجمال الساحر، التی یهویها ویذیب فیها أبداً. وطبعاً شعره فی غزلیاته المنحصرة به، لا یرتقی الى مستوى شعره فی السیاسة والاجتماع، فهو قیاساً الى مجمل شعره یعد قلیلاً، بل قلیلاً جداً. وحتى فی قیاس الابداع الشعری فان شعره فی المرأة یظل دون بقیة أشعاره مرتبة وبراعة، وان أضفاه بقدرته التراثیة وخلفیته الثقافیة. لا یمکن لغزله أن یذکرنا بغزل العرب و العذریین الذین ساروا فی هیام الحب، ونسوا فیه حتى أنفسهم، بل کانت المرأة معابد للالهام والنشوان والسعادة الروحیة والنفسیة، فهی عندهم أبداً نماذج سامیة، وأثمار ممنوعة القطف، یکفی أن یحترق القلب ویهیم الشاعر وینظر الیها وان على بعد، لتکون قمراً وبدراً وأزاهیر. فبمجرد التقرب منها أو لمسها واحساسها أو قطفها من شجرتها العالیة، اذاً ذلک طعن فی نموذجیتها وتقلیل من هیبتها وتکفیر لألهة العشق والعشاق. أما نموذج الجواهری، فالأمر یختلف کثیراً، ولتبیان العلاقة الجواهریة بالمرأة یتطلب فی البدایه أن نلقی نظرة سریعة على المرأة فی رحاب فکره، لنرى کیف ینظر الى المرأة، أو ما هی بواعث نظرته الخاصة، دواعیه وأسبابها، ثم نمیل الى النموذج النسائی على أساس رؤیتهِ وخطابه فیه. حیث یمکننا تقسیم رؤیته للمرأة من خلال محورین: الأول: المرأة فی البعد الاجتماعی والحضاری. الثانی: المرأة فی دائرة الارتباط العاطفی. الف: المرأة فی البعد الاجتماعی والحضاری بالنسبة للمحور الاول فان الجواهری کان ضمن الشعراء المعدودین الذین طالبوا بتحرر المرأة من الکثیر من التقالید السائدة فی عصره. والتی کانت تجلب الغبن والاحتقار لها، فطالب ودافع بکل جدیة بتجدید النظرة الى مکانة المرأة ودورها فی المجتمع، لاسیما فی التعلیم، وخاض فی وقت مبکر فی النجف مع غیره من شعراء النجف الذین طالبوا بتثقیفها وتعلیمها. وقد قال فی هذا المجال من خلال قصیدته "علموها": (دیوان الجواهری، ج 1 ص، 461) عَلِّمُوها فقد ْ کَفاکُم ْ شنارا وَ کَفَاها أن تحسب َ العِلم َ عارا (1) وکفانا من التقهقر أنا لم نعالج حتى الأمور الصغارا تحکم البرلمانَ من أمم الدنی ا نساءٌ تمثِّلُ الأقطارا ونساءُ العراقِِ تُمنَعُ أن تر سمَ خطاً أو تقرأ الأسفارا (1) شنار: العار والعیب والنقص؛ التقهقر: الرجوع الى الوراء. والمرأة الأم، الزوجة، المربیة... فان للجواهری معها مواقف مشرفة ورؤیة تدل على العمق فی الانسانیة والعلاقة الحضاریة التی تتطلب النظر الیها بقدسیة واحترام فائقین. وعن مربیته «تفاحة» المرأة الزنجیة التی کان لها الأثر الکبیر فى تلقین الجواهری أسطورة الحب للخیر والعطاء. فقد جاء فی قصیدته «احببت الناس»: (الجواهری، خیال...، ص 346) لحبِ الناسِ للناسِ حببتُ الناسَ والأجناسَ فی الزنجیةِ الحلوةِ من لفت وأهلوها بأکیاس (1) أنشد الجواهری قصیدة «ناجیت قبرک» بعد وفاة زوجته أم فرات وکان فی حینه فی بیروت وعند سماع خبر رحیل زوجته قفل راجعاً وأنشد القصیدة على قبرها: (دیوان الجواهری، ج2، ص 351.) فی ذمةِ اللهِ ما ألقَى وما أجدُ أهذهِ صخرةٌ أمْ هذهِ کَبدُ قد یقتلُ الحُزنُ مَنْ أحبابُهُ بَعُدُوا عنهُ فکیفَ بِمَنْ أحبابُهُ فُقِدُوا حُیِّیتِ (أمَّ فُرَاتٍ) إنَّ والدةًً بمثلِ ما انجبتْ تُکْنى بما تَلِدُ غَطَّى جناحَاکِ أطفالی فکُنْتِ لَهُمْ ثَغْرَاً إذا استیقظوا, عَیْنَاً إذا رَقَدوا ب: المرأة فی دائرة الارتباط العاطفی أما المحور الثانی من علاقته بالمرأة، فهو الموضوع والقضیة، التی قیل فی شأنها الکثیر، کیف للجواهری صاحب الأسرة العریقة بالدین والوجاهة الاجتماعیة، أن یمیل مع العاطفة، أن یعشق، أن یحب، والمجتمع والبیئة هو مجتمع النجف، حیث التحفظ والتزمت فضلاً عن التقالید الموروثة بالنسبة للمرأة والعلاقة بینها وبین الرجل. ولکن الجواهری الذی کان قد ضاق ذرعاً بهذه القیود والحدود وهو المتمرد العنیف! ولعل تمرده على واقعه کان یلازمه التصرف المتطرف والتعامل الساخن مع المرأة فی شعره. وقد هزته هزات حب عنیفة وهو لا یزال بالنجف الأشرف وهو کطبیعة أی شاعر متفجر بدأت ثورة الشعر تنمو فیه شیئاً فشیئاً یصاحبها دوافع داخلیة نحو مملکه العشق والغرام. فقد عشق المرأة وهو فی الثامنة من عمره: (الجواهری، ذکریاتی، ج 1، ص 61.)«فیما أنا بین السابعة والثامنة من عمری، تلقیت درساً جدیداً علیَّ وهو الأعجب والألطف من بین کل الدروس التی تعلمتها، وهو العشق العنیف والعمیق، وأن التقی بفتاة ما أروع صورتها الماثلة أمام عینی وقد کانت تکبرنی فی أقل تقدیر بما یزید على عشر سنوات، وأیاً کان الأمر فقد عشقتها، وهی بدورها أحبتنی حباً عنیفاً حب الفتوة للصبوة» لقد أحب فتاة أخرى فی العشرین من عمره کان اسمها نهایة، وقد قال عنها:(نفسه، ص 63) «کنت وأیاها وأنا فی الصبوة وجهاً لوجه وعیناً لعین، وصورة لصورة، فقد وجدتنی هذه المرة فی صمیم الفراغ من استلهام هذا الجمال أو من اختطافه واقتطافه». ولکن لم یتوقف الحب عنده على هذا الحد، فلقد کان یحمل فی قلبه غلیان ثورة عارمة، لا یمکن لهکذا صور غرامیة یسد جماح قلبه الطاغی، ولم یکن لمجتمع النجف وبیئته استیعاب هذا الفوران السائر نحو التمرد والطغیان. قال: اننی عشت فی بیئة تسیطر علیها الأعراف والتقالید البالیة بیئة یکاد یمنع فیها حتى مجرد التلامس والتقابل بین الرجل والمرأة، فیما هو أمر مفروغ منه فی المجتمعات الأخرى (نفسه، ص 127) وهنا یبدأ تمرده على البیئة، التقالید، الأعراف، الضوابط الشرعیة وینزع ثوبه البالی لیبدأ مسیرة أخرى: أنا إنْ کنتُ مرهقاً فی شبابِی مُثقلاً بالهمومِ والأَوْصَابِ فمتى أعرف الطلاقة والأنس ألما أکون تحت التراب فهو أحب النساء کثیراً، الا أن حبه أیاهن کان له مزایاه الخاصة جداً، مزایا الشخصیة الحادة، المزاج، رقتها او عنفها وبتعبیر آخر الشخصیة المتطرفة فی تعاملها مع الناس والأشیاء، علاقة الجواهری بالنساء علاقة اشکالیة معقدة محفوفة بالمخاطر، وکم مرة تراه فیها یذوب جداً حیال حضور امرأة جمیلة (بغدادی، مجلة المدى،عدد19) ومن هنا جاءت فترة الغزل المکشوف أو الماجن فی قصائده ابتداءً بـ«جربینی» و«النزغة» و«لیلة معها» و «وادی العرائس»، «بنت بیروت»، و«عریانة» و«صورة للخواطر»، وغیرها من القصائد الماجنة، وتمتاز هذه القصائد بدقة تصویر مفاتن المرأة وجسدها وتصویر هذا الجسد تصویراً غریزیاً، جنسیاً ذات عاطفة حسیة لا تهدف الا لتحقیق المرام مع المرأة واعتبارها وسیله للتمتع واللذة و لا غیر. جدیر بالذکر أن أشعاره المجونیة والغزل المکشوف بقیت تقریباً لأوائل عقد الثلاثینیات، وهی قصائد غزل ماجن، خیالیة صرفة لم یکن الجواهری صاحب أی تجربة فی هذا المجال، وما تلک القصائد الا استجابة لرفض واقع غیر مقبول لدیه، أو استجابة لانطلاق غرائز مکبوتة کانت تبحث عن متنفس تتحرر من خلالها. من قصیدة جربینی نظمها الشاعر وهو فی ریعان شبابه عام 1927م ونشرتها جریدة العراق آنذاک وکان نشرها فاتحة عالم الشعر المکشوف، وقد أثارت فی حینها ضجة کبیرة، وکان یعمل فی بلاط الملک فیصل الأول وعلى أثرها استقال من البلاط. (ذکریاتی، ج 1، ص 217) جَرِّبِینی مِنْ قبل أنْ تَزْدَرِینی واذا ما ذَمَّمْتِینی فاهْجُرینی ویقیناً ستندمینَ عَلَى أنَّکِ مِنْ قبل کنتِ لمْ تعرفیِنی لاتَقِیسى عَلَى ملامحِ وجهِى وتقاطیعِهِ جمیعَ شؤونِی أنا لى فی الحیاةِ طبعٌ رقیقٌ یتنافَى ولونَ وجهِیَ الحزینِ أنا ضدُّ الجمهورِ فی العیشِ والتَّفْـ.........................ـکیرِ طُرّا وضدُّهُ فی الدِّینِ مَتِّعِینی قبلَ المماتِ فما یُدْ................................ریکُما بعدَهُ، وما یُدرینی بعد ضجة هذه الفصیدة وعتاب الملک فیصل له، یقول خرجت من عند الملک وأنا أقسم بالطارق والنجم الثاقب، ان أعود، وأضحی بألف ألف وظیفة فی سبیل أن أعود، وقد عُدتُ بعد ذلک عَوْداً بمالا یقل ان لم یزد على جربینی أی النزغة هذه هی أبیات من قصیدة النزغة: (نفسه، ص 216) لک فی هذه الحیاة نصیب أغنمیة انتهازه وافتراسه فاللیالی بلهاء فیها لمن یحسن ابساسه لها، اسلاسه(1) کل هذا ولست أنکر انی من لذاذاتها اختلست اختلاسه ثم کانت دعابه فمجون فارتخاء ............................... (1) الابساس: المداراة والتلطف. الأسلاس: الرقة والانسجام والخفة. فهو أنشد فی قصیدة "عریانة" صفحة أخرى من الأدب المکشوف فی عام 1932م، والقصیدة تصویر حسی لجسد المرأة ومفاتنها من الصدر الى القدمین، ورأینا أن لانأتی بالقصیدة هنا اجلالاً للأدب والحشمة. ( الجواهری فی العیون، ص 109) أنتِ تدرینَ أنَّنی ذو لبانة الهوى یستشیرُ فی المجانَهْ وقَوافی مِثْلُ حُسْنِکِ لمَّا تتعرِّین حرةً عُریانَهْ واذا الحب ثار فیّ فلا تمنع أی احتشامة ثورانَهْ فلماذا تحاولین بأنْ أُعْلِنَ ما ینْکُرُ الورى إعلانَهْ لقد مر الغزل لدیه بما فیه شعره الماجن المکشوف بمراحل ابتدأ بالشعر العنیف والحسی الماجن مرحلة العشرینیات ومروراً فی بدایة الثلاثینیات الى نوع من التخفیف فی حدة المجون وانتهاء بمرحلة الاربعینیات والعودة الى الغزل الوصفی دون الحسی وهو مرحلة کهولة الشاعر وتأثیر عامل السن علیه. یقول الدکتور زاهد محمد زهدی (الجواهری صناجة ...،ص 153) یمکن أن نضع قاعدة مطردة لنفسیة الجواهری فیما یخص الجنس والغزل، ان أهم ما یشغله فی فترة شبابه کشرقی فی بیئة محافظة هو الجنس المطلق، مهما کان مصدره، مادام یوفر للشاعر شعور الانتصار، ومادام یجعله مخدوعاً یتصور أنه حصل على ما یرید، وهذا لا یمکن أن یتحقق قطعاً فی بیئة مغلقة، فالاختیار لا یتنافى الا فی مجتمع منفتح کالمجتمعات الغربیة، أما البیئة المغلقه فالمعروض قلیل والطلب شدید لذلک لا یمکن اعتبار الشاعر مختاراً فی تجاربه الجنسیة الأولى. قد بدأ الاحساس الجنسی الحاد یتبدل بتقدم السن وهذا طبیعی، ثم أثر به الاتصال البعید بالبیئات الخارجیة وزیادة أفقه الثقافی فی الموضوعات التی تعالج هذا الباب، لا من زاویة الشرقی ابن الفترة المظلمة ووریثها والتی تقوم على الشک ولکن من زاویة التقدیس للمرأة والارتفاع بها وتسجیل دوافع الشوق الیها قبل تصویر التجارب التی تجری علیها عند الحصول علیها، وتصویر دوافع الشوق هو شعر الغزل الحق. ورغم التبدل الذی أصاب الجواهری فاننا لا نجد الغزل عنده یصل الى نفس مستوى أشعاره الاجتماعیة الاخرى. وخیر مصداق على ما قاله الدکتور زهدی هو قصیدة "أنیتا" والتی تعبر عن قصة عشق حقیقیة عاشها الشاعر وهو فی باریس عام 1949م، حیث کانت بمثابة التحول العاطفی لدیه، وهو مرحلة وصف العاطفة والنفس بدلاً من الوصف الحسی لجسد المرأة. وقد قال عنها الجواهری نفسه (دیوان الجواهری، ج3 ص 352) «کان حباً عارماً لا یرید، ولا یقدر لو أراد، أن یقف عند حد، کان کأنه یتفجر عند "ینبوع" خفی ثجاج». انی وجدتُ "انیت" لاح یهزنی طیف لوجهک رائع القسمات(1) ألق الجبین أکادُ أمسحُ سطحَهُ بِفَمِی، وأنشق عطره بشذاتی (1) انیت او (أنیتا) اسم معشوقته الفرنسیة؛ ألق: اضاءة ولمعان. المصادر و المراجع - بصری، میر، أعلام الأدب فی العراق الحدیث، الطبعة الأولى، لندن: دار الحکمة، بدون تاریخ. - بیضون توفیق، حیدر، محمد مهدی الجواهری شاعر العراق الأکبر، بیروت: دار الکتب العلمیة 1993م. - الجبوری، عبد الله، الجواهری نظرات فی شعره وحیاته، بیروت: دار الکتب العلمیة 1993م. - الجواهری، خیال، الجواهری وسمفونیة الرحیل، دمشق: وزارة الثقافة، 1999م. - الجواهری، محمد حسن، جواهر الکلام فی شرح شرائع الاسلام، ج1، طهران: دار الکتب الاسلامیة. - الجواهری، محمد مهدی، الجمهرة، بتحقیق واشراف الدکتور عدنان درویش، دمشق: 1985م. - الجواهری، محمد مهدی، الجواهری فی العیون من أشعاره، دمشق: دار طلاس للدراسات والنشر، 1986م. - الجواهری، محمد مهدی، دیوان الجواهری، سبع مجلدات، بغداد: مطبعه الأدیب، 1972م. - الجواهری، محمد مهدی، دیوان الجواهری، الجزء الأول والثانی، صیدا: المکتبة العصریة 1967م. - الجواهری، محمد مهدی، ذکریاتی، الجزء الأول والثانی، الطبعة الأولى، دمشق: دار الرافدین، 1998م. - الخاقانی، علی، شعراء الغری، الجزء العاشر، الطبعة الثانیة، قم: مطبعه بهمن، 1408 ه.ق. - الخیاط، جلال، الشعر العراقی الحدیث، الطبعة الثانیة، بیروت: دار الرائد العربی. - زهدی، محمد زاهد، الجواهری صناجة الشعر فی القرن العشرین، بیروت: دار القلم. - شامی، یحیى، موسوعة شعراء العرب، الجزء الثالث، بیروت: دار الفکر العربی. - شعبان، عبد الحسین، الجواهری جدل الشعر والحیاة، بیروت: دار الکنوز الاسلامیة، 1997م، الموقع على الأنترنت: www.nfsl-libya.com/arabic/artides/jawahiri - الطاهر، علی جواد، مقدمة على الجزء الأول من دیوان الجواهری، ط: بغداد. - عباس علوان، علی، تطور الشعر العربی الحدیث فی العراق، بغداد: وزارة الاعلام، بدون تاریخ. - العلوی، هادی، محمد مهدی الجواهری دراسات نقدیة، بغداد 1969م. - الفتلاوی، کاظم عبود، المنتخب من أعلام الفکر والأدب، ط:1، بیروت: مؤسسة المواهب، 1999م. - المظفر، محمد رضا، عقائد الأمامیة، الطبعة الثانیة، قم: مکتبة شکورى، بدون تاریخ. - الموسوی، عبد الصاحب، حرکة الشعر فی النجف الاشرف وأطواره خلال القرن الرابع عشر الهجری، ط:1 ، بیروت: دار الزهراء، 1988م. - مغنیة، محمد جواد، مع علماء النجف الاشرف، بیروت: دار ومکتبة الهلال. - مقدمه الدکتورة نجاح العطار، دیوان الجواهری فی العیون من أشعاره. - المندلاوی، صباح، فی رحاب الجواهری، ط: 1، دمشق: دار علاء الدین، 2000م. الصحف والمجلات - صحیفة الاتجاه الآخر، هولندا: العدد 23، تموز 2001م. - صحیفة الاتحاد، سلیمانیة: العدد 394، أیلول 2000م. - صحیفة الزوراء، النرویج: العدد 155، تشرین الثانی، 2001م. - صحیفة الورکاء، دمشق: العدد 3، تشرین الأول، 1994م. - صحیفة خه بات، أربیل: العدد 1000 ، 2تشرین الثانی، 2000م. - مجلة الأقلام، بغداد، العدد 2، 1978م. - مجلة الثقافة الجدیدة، دمشق، الموقع على الأنترنت: w.iraqcp.org/thakafajadidaww - مجلة العالم، لندن: العدد 534 ، 1995م. - مجلة العالم، لندن: العدد 580، 1998 م. - مجلة العالم، لندن: العدد 619 ، 1998م. - مجلة المدى، دمشق: العدد 19 ، 1998م. - مجلة الهدف، دمشق: العدد 1266 ، 1997م. - مطبوعة الکتب، دمشق: 1997م الموقع على الانترنت: www.kuwtob.com/author - مطبوعة الواحة، الموقع على الانترنت: www.alwaha.com/issue
نوشته شده در تاريخ دوشنبه 1390/01/29 توسط شاهسونی (دکترای زبان و ادبیات عربی)

1-السخریة وبواعثها:

فی كل فترة و زمان ، نجد جماعة من الناس یشتهرون بالظرافة و الفكاهة و الاریحیّة ، و یحاولون أن یجعلوا من هذه الفنون تسلیة للأخرین دون أن یبحث أحد فی غایات أو بواعث هذا العمل .

لهذا یجب علی كل من یرید أن یتعمَّق فی هذا المجال أو یكتب بحثاً علمیاً عن البواعث للجوء إلی هذا الأسلوب من البیان ،أن یجدَ جواباً لبعض الأسئلة، مثل:هل الغایة فردیة أم جماعیة؟ أو هل الغایة فی كتابة هذه النصوص سیاسیة أم اجتماعیّة أو لها أسباب أخری؟ فعلینا أن نبدأ خطوة خطوة من البدایة ،فنقول: السخریة لونٌ من الهجاء و لكن بفارق ، و هو أن للهجاء لساناً حادّاً و مرّاً و نحن لا نجد الصراحة الموجودة فی السخریة كما نجدها فی الهجاء ، و من جهة أخری ،الغایة فی السخریة هی الاستهزاء من شخص فی حالة جَعْلِ الشخص اضحوكة للآخرین مع الاستحقار.

و من ناحیة أخری ، السخریة لیست لفظة تعادل لفظة الفكاهة و إن كان قاسم مشترك بین هاتین الفظتین و هو الإضحاك ، و لكن یوجد فرق هام بینهما و هو: الغایة فی الفكاهة هی الإضحاك لاجل الضحك فقط، و لكن الادیب الساخر یهدف فی وصفه الناس و الأحداث إلی استدرار الضحك و قد یكون له من وراء ذلك فلسفة ، هی محصّل مزاجه الخاص أو تجربته فی الحیاة،كأن یری تقالید المجتمع ما لا فائدة تحته، أو یری فی المثل الخُلقیه ریاءً و اصطناعاً ینبغی تدمیره، من خلال السخریة. إذاً السخریة وسیلة لأجل الوصل للغایة و لیست هی بغایة. و یهدف الأدیب الساخر من خلال كلامه شخصاً خاصاً أو جماعة إو شعباً أو قوماً . و أحیاناً یسخر الكاتب من بطله فی كتاباته و یقصد من وراء ذلك أشخاصاً دون الذین یوجدون فی كتاباته و من المحتمل إن یسخر من نفسه لأجل الوصول للغایة .

« یجب أن یكون الانسان شریفاً حتی یضحك من نفسه لأن الانسان دائماً اما یضحك من صدیقه أو من جاره أو من الشخص الذی تثقل علیه رؤیته أو یضیق به قلبه»[1]. النقّاد الغربیون یقسمون السخریة إلی قسمین:

1- السخریة المباشرة أو الرسمیة التی تعادل لفظة (Formal) وهی أیضاً تنقسم إلی طریقتین : أ: الطریقةالاولی هی طریقةالأدیب الساخرالرومانی،هوراسیوس[2] (65-8.ق م) التی تعرف بالسخریة الهوراسیة ((X-Horationn satire و هی أقل حدّة ومرارة و أكثر تهذیباً و أدباً من الطریقه الثانیة . فی هذه الطریقة یبالغ الأدیب فی تصویر الرذائل من أجل إیقاظ الضمیر البشری النائم .

علی الأدیب الساخر أن یتسّم بصفحات ٍ منها : الذكاء و الخلاّقیه و القدرة علی أن یسخر من نفسه- بعض الاحیان –لو تطلَّبت الظروف . ب: الطریقة الثانیة هی السخریة الجوفینالیة(JuveallianSatire ) المنسوبة للأدیب جوفینالین (60-140.م) و هی أسلوب لاذع ،مُرّ و حادّ ، یحاول الأدیب الساخر إظهار الحقائق بأسلوب ساخر،لیمنع الانسان من فعل الرذائل .[3]

إذاً ففی السخریة المباشرة یتكلّم القائل أو الشاعر مع قارئه مباشرة من غیر لفٍّ و دوران ، و من المحتمل –كما أوردنا – أن یتخذنا القائل لساناً لینّاً لكی لا یجرح مشاعر الآخرین أو ینتقد و یسخر من نفسه، أو یتكلّم دون رحمة و شفقة و أیة ملاحظة و یسخر من الآخرین و یسبب لهم الألم و یحقّرهم. 2- السخریة الغیر مباشرة أو الغیر رسمیة التی تعادل لفظة (informal) و تعرف بالسخریة المنیبیة (MeniPean Satire . ) المنسوبة إلی الفیلسوف الیونانی «مینوبروس» . و فی هذه الطریقة ، یسخر الكاتب أو الشاعر من أبطال كتاباته أو من نفسه أو عقائده، و قد نری الكاتب من خلال تحلیله و علی طریقة النقل، یسخر من أطرافه و ما یجری حوله. [4]

إضافة إلی هاتین الطریقتین توجد طریقة ثالثة تُعرف ب‍ »الأضحوكة» (Black humor) و هی تبیّن جانباً مأساویاً مضحكاً من الحیاة . استخدم العبثیون هذا الاسلوب كثیراً فی أعمالهم ، مثل : صموئیل بیكیت[5] (1906-1989)، إدوارد آلبی (1928م) غونتراغراس (1927م ) و لو أردنا أن نذكر أهم البواعث للجوء إلی هذه الطریقة من البیان لكانت علی الترتیب التالی :

1- قد یكون الاسلوب الساخر إنتقاماً لما یتلقّاه الشاعر من الإهانات و المذّلات «فالسخریة تترجم حاجة روحیة: المجتمع یستحق الشاعر بلامبالاته و إنكاره، فیسحقه الشاعر بأن یسخر منه و یحتقره»[6]

2- یجعل بعض الشعراء السخریة من الآخرین و الاشیاء و الظروف ،سلاحاً حادّاً لحصوله علی حقوقه المستلبة – علی الأقل علی حدِّ ظن الشاعر – كما هو عند الكثیر من الشعراء ، مثل:بشار بن برد و الحطئیة و …

3-یری البعض من الادباء السخریة طریقة مناسبة لتنبیه الظالمین و الاشرار و المتعجرفین دون أن یخاطروا بأنفسهم مباشرة.

4- و قد یتخذ الشاعر السخریة أسلوباً لتعویض ما یفتقده من الجمال الظاهری أو الفقر المادی أو المكانة الاجتماعیة و … لهذه الأسباب تكون السخریة أكثر إفصاحاً من الأسالیب الأخر، و نجد الكلام الساخر ینافس الكتاب و الإعلان و الخطاب و یتفوّق علیهم جمیعاً فی تبیان سیئات المجتمع فی المجال السیاسی أو الاجتماعی أو الاقتصادی … و إن السخریة لیست للمتعة فقط ، صحیح أن الشعر و الأدب الساخر یسبب لك الضحك و یجعلك تقهقه، و لكن هذه القهقة تمتزج بالتفكیر و الامعان ، إذاً نستطیع القول بأن السخریة هی أمثولات و عِبر و مواقف و آراء جدیرة بالنظر و التأمل.

2-السخریة فی شعر الجواهری:

«یتمتع الجواهری بشهرة جاهرة، امتدت إلی أرجاء الوطن العربی . و هو شاعر مكثر مجید فی أكثر شعره ، و شهرته باتت حدیث السامرین فی منتد یاتهم…»[7] و هو فی الحقیقة حلقة وصل تربط بین الشعر العربی الكلاسیكی و الشعر الكلاسیكی المعاصر، فهو فی الواقع «ینتمی فی نهجه الشعری إلی مدرسة عریقة فی الشعر العربی عَرْضُها العصور العربیة منذ امریء القیس حتی الجواهری ، و هی الكلاسیكیة القائمة علی التقلید فی الطرح الشعری و الفنون الشعریة و أسالیب الكتابة، كما تقوم علی متانة التركیب اللغوی الذی یصل فی بعض مناحیه إلی الإغراب و التقعر و اعتماد الفصاحة و البلاغة فی أكمل الوجوه و الطرق ،فی إطار من الغنائیة والخواطر الحكمیة التعلیمیة… ».[8]

«والجواهری فی شعره رجل الثورة الذی التزم قضیة العشب والوطن، و انتصب مناضلاً فی سبیلها ،یهاجم المسؤولین فی صراحة جریئة وعنیفة ». [9] ثم یمزجه بألوان السخریة حتی تصبح قصیدة رنّانة تجری علی ألسن الجمیع و تتسع إلیها وكأنها قصیدة للمتنبی قالها فی هذه الأیام ،فیقول الجواهری:

    كـــم ببغـــدادَ ألا عیـــبُ و أســــاطـــیرُ أعـــاجیب
    و أســـاطـــین إذا امتحنوا فمهـــازیــــل منـــاخیـبُ
    و «تهاویل» یُــدان لهــــا طَوْعَ مــا تُـــومی حواجیب
    سُــررً مـــن فــــوقها بَقَر فی خناهایعبق الطیب
    قُـــدَّ سُحت مـــن غبــاغِبهِ و غَـــذَاها الإثـــمُ والحوبُ
    كــذب التــاریخُ لا عَرَب إنهـــم- لابـــدَّ - تعــریب
    أو فــأعــــراف و أنعِمة و مـــــروءات أكـــاذیـــــبُ
    خَـــزیَتْ بغـــدادُ مــن بلدٍ كــلُّ شـــیءٍ فیـــه مقلـوب
    فَلَـــقٌ الإصبــــاح غــِریبُ و نعیـــقُ البـــوم تشبـــیب
    و بیــوت الفِســـق عــامرة و عــرینُ اللیـــث منهــوب
    …عاتَ رجس فی محارمها و تــولّی رَعْیَهـــا ذیـــــب
    ضـــلَّ واستــخذّی لـه نَقَد بــالحُطام الــدون مسحوب
    * * *
    كــم ببغــــدادَ ألاعیـــب و أضـــاحیــــك أخـــاشیبُ
    و عضـــاریـــط …مَرازبة و یـــرابیـــع… یعـــاسیـب
    كـــل مَنـــحوسٍ ومشِفَرِهُ بیـــد الأطمـــاع مثقـــــــوب
    و دُمــــیً للأجنـبیِّ بها خَبَـــت حُلــــو و تقـــــریب
    شُــدَّ خیــط فی مخاصرها فهـــو للترفیــــه مجـــــذوب
    …و«دســاتیر» مُمَخــرقَة عشَّشّـــتْ فیهــا العنـــاكیب
    و سیـــاســـات ملفَّفــــة و زعــــامــــات أســالیب
    دون أجنادٍ… كما خَلیت مــن زنـــادیــــقٍ محاریب[10]

المعروف عن الجواهری «أنه متنبی عصره » و عند ما نقرأ هذه القصیدة قد یتحقّق لنا الأمر ، فهی تذكّرنا بقصیدتی المتنبی الشهیرتین الّلتین یقول فیهما:

و ماذا بمِصْرمن المضحكاتِ و لكنــــهُ ضــــحك كالبكـا

و الثانیة دالیته الشهیرة التی قد أخذ الجواهری الشكل و المفردات منها:

عیـــد بـأیة حالٍ عُدت یا عیدُ بمـــا مضی أم بأمرٍ فیك تجدید[11]

فالجواهری فی هذه القصیدة یصوّر لنا لوعته و حقده علی مدینه بغداد و من یقطن فیها. فالشاعر یُكثر من إعطاء الصور الكاریكاتوریة للقاریء، و ان كانت هذه الصور لا تحفل بالخیال واغلبها صور حسیّة. من هذه الصورة ،أن تنشقّ غباغب مملوءة بالحرام و الإثم أوجعل التاریخ رجلاً كذّّاباً مخادعاً و … .

فبغداد مدینةٌ، كلّ شیءٍ فیها مقلوبٌ : الصباحُ عندها مظلمٌ و صوتُ البوم نغمةُ الحب و بیوت الدعارة فیها كثیرة وعامرة ، و بیت الشرف منهدمة و… و رجالها مثل الدمی لعبة فی أیدی الأجانب تأخذبهم حیث تشاء. و اما «الوزارات» فتطالب بجمیع الأشیاء ، و الدستور ممخرق و متروك لا یعمل به فی زاویة حتی عششت علیه وفیه العناكب و السیاسة و الساسة كلهم مزیّفون و… .

وعلی طریقة المتنبی و لكن باسلوب عصری یسخر الجواهری برسم صورٍ كاریكاتوریةٍ مكثّفة حتی یستنفد جمیع ما فی نفسه من احتقار و حقد لهولاء الذین قد جعلوا بغداد علی هذه الصورة البشعة.

و من القصائد التی تلوّنت بلون ساخر ، قصیدة تعرف بـ«طرطرا» ،وهی تَجِدُ و تحسّ السخریة فی شكلها ومضمونها ، و فی كل مفردة من مفرادتها المستخدمة فی القصیدة و «هی علی النمط الساخر و الوزن من القصیدة الدبدبیة المشهورة التی قیلت فی العهد العباسی و مطلعها:

أی دَبْـــدَبــَی تـــدبـــدبی أنـــا علـــی «المغـــــربی»[12]

وقدتناول الجواهری فی مقدمتها الاتجاهات الطائفیةالمختلفةالتی یحاول الحکام بثّها بین صفوف الشعب إضافة الی روح القبلیّةالعشائریّة والنعرات القومیّة واستغلال کل ما یفرق أبناء الشعب حتی فی أزیائهم».[13] و یقول الجواهری فیها:

    أی طــرطرا تطرطری تقــدَّمــــی ، تــــأخَّری
    تشیَّعـــی ، تسنَّـــــــنی تهـــــــــوَّدی ، تنصَّــــری
    تكـــــــرَّدی ،تعــــرَّبی تهــــاتـــــری بـــالعُنصـــرِ
    تعمَّمـــــی، تـــبرنطـی تعقَّلـــــــی ، تســــــــدَّری[14]
    * * *
    و أنـتِ إنْ لم تَجِـــدی أبــــاً حمیـــــدَ الأثـــــــر
    و مَفخَراً مِـــنْ الجُــــد و دِ طیِّـــــبَ المنحــــــــــدر
    و لم تَرَی فی النَّفس مـا یُغیـــــك أن تفتخــــــــری
     
    شـــــأن عصـــــــامٍ قـــد كَفَتــــهُ النفـــــسُ شـــرَّ مفخرِ
    طُوفی علی الأعراب مـن بـــــادٍ و مــــــن محتضـــــر
    والتمــــــسی منهـــــم جـــــدوداً جُـــــــدُداً و زَوِّری
    تَـــــزیدی تــــزبَّــــدی تعنَّــــــــــزی تشمــــــــــرَّی
    فی زمـــــن الـــــذَّر إلی بـــــــــــداوة تَقَهْقـــــــــــری[15]

الجواهری فی هذه القصیدة یسخر من كلّ شیء : من الدیانات ، و من القومیات و من العادات و التقالید ،لأنها أصبحت وسیلة فی أیدی البعض مثل السیاسیّن لیصلوا إلی غایاتهم. و فی المقطوع الثانی من قصید ته هذه یسخر من التفاخر بالآباء و الجدود ، و یقول حتی و ان لم یكن لشخصٍ آباء و جدود كرماء یستطیع أن یختلق لنفسه و یزوّرهم، و هذه الاشیاء قد تحدث فی عصر الذرّة و نحن نرجع القهقهری .

    تقلَّــــــبی تقلُّــــــــبَ الــــــدهـــــــــرِ بِشتـــــــَّی الغیر
    تصـــــــرَّفی كمــــــا تشـــــــائـــــینَ و لا تعتــــــــــذّری
    لِمَنْ ؟!أللناس؟! و هم حُـــــــثالـــــــة فی سَقــــــــرَ
    أم للقــــوانــــین و ما جــــاءت بغــــــیر الهـــــــذر
    أم للضمـــیر و الضمیر صُنْـــــــعُ هـــــــذا البـــشر؟!
    لمـــــن ؟! أللتاریخ؟! و هــــو فی یَـــــــد المُحَبِّــــــر
    مُسخَّــــــر طَوعَ بنان بنـــــان الحـــــاكــــم المُستَحرِ
    … أم للمقـــــــاییـــس اقتضـــــا هــــنَّ اختــــلافُ النظر
    إنّ أخـــــا طَـــرْطَـــر مــن كـــل المقاییــــس بَــــری
    * * *
    أی طـــرطــــرا تطـرطری و هلَّلــــــــی و كَبّــــــری
    و طَبّلـــــــی لكـــــلِّ ما یُخـــزی الفَتَــــی و زمِّـری
    وَ سبَّحــــــی بحمـــــــد مـــــأفــــــونٍ و شكــــر أبتَـــر
    أعطــــی سمـــات فارغٍ شَمــــــــردَل لبُحــــــــتر
    واغتَصِــــــبی لِضفـــدع سمــــــاتِ لیــــثٍ قســور
    و شبِّهـــــی الظـــــلامَ- ظلمــــاً - بالصبَّـــــاح المُسفـــــر
    و ألبســــــی الغــــبیَّ و الأحـــــمقَ ثــــــوبَ «عبقـــــــر»
    إن قیــــل إنّ مجـدهم مــــزیَّــــــف فـــــأنــكری
    و إن هـذا المستعـیرَ صـولةَ الغَضَنفَرأهـــون مـن ذبابة فی مستحـمِّ قَـذِر
    فهــــی تطـــیر حُـرَّةً جَنــــاحُــــها لم یُعَــــــــر
    فغــــــالطـــی و كابـــری و حـــــــــــــوِّری و زوِّری
    * * *
    أی طــرطــــرا لا تُنكری ذنبـــــاً و لا تستغفــــــری
    كــــونی علـــــی شاكلة مـــــن أمــــــــرهم تُؤمَّـری
    كــــونی علـــــی شاكلة الــــوزیر بــــادی الخـــطر
    إُقســـم «بالكـــــافور» لا أقصِـــدُ شتــــم «العنــــبر»
    لأنـــــتِ فـــــوق البشرِ فــــوق القَضـــــا و القـــدر
    * * *
    أی «طرطرا» بـــالكِ من قُبَّـــــــــــرة بمَعمَــــــــــرِ
    «خلالـــــــك الجوَّ» و قــــــد طـــاب «فبیضی و اصفری.»
    «و نقّری» مـــن بَعدهِم «مــــا شئـــــت أن تُنَقِّـری»
    قـــد غَفـــَل الصیادُ فی «لنــــدن» عنـــــك فابشری[16]

و فی المقطوع الثالث یسخر إلی هؤلاء الساسة لأنهم لا یبالون بشیء و لا بأحد ، فالناس حثالة لا قیمة لهم فیجب أن یضحَّی بهم و القوانین أیضاً لا قیمة لها لأنها كلام هذر و ثرثرة و یستمرّ بسخریته من الضمائر البشریة و من التاریخ و من كل المقاییس التی وضعت فی المجتمع .

«وتواصل القصیدة طرح المتناقضات فی هذاالمجتمع الذی یُلبس حکامه ومأجوروهم کلّ شئ عکس ماتقتضیه طبیعته تزویراً للواقع،وإخفاء للمثالب والعیوب،وإمعاناً فی استفزازالناس،والحط من أفهامهم ووعیهم بحقائق الامور.إنّ «طرطرا»وهی الفئةالحاکمة تهلل وتکبّر وتدقّ الطبول لکل اشکال المخازی التی یتصف بها رجالها…[17] و الشاعر فی النهایة یقول ساخراً بأنه لا یقصد شَتْم أحدٍ أو أهانته بل یرید أن یبیّن أن فی مجتمعنا قد یزوّر كلَّ شیء فیُتسم بالكافور الذی یُحنّط به المیّت أنه لا یقصد أن یُقلّلَ من مكانة العنبر أو كل شیءٍ طیّب الرائحة ، و لكن قد خلا الجوُّ للانتهازیین لیستقلوا الظروف و یفعلوا ما یشاؤون.

القصیدةالتالیة«أطبق دجی»:

تقع هذه القصیدةفی ست وخمسین بیتاً،وهی من بدایتها حتی نهایتها«جلداًعنیفاً»للذات العرقیّةوللقوی الوطنیّة،بهدف استنهاضها للعمل علی خلاص العراق من ربقةالطغیان،والتحکم ،والاحکام العرفیّة،والوضع الاقتصادی المزری. یقول الجواهری:

    أطبق دجی آطـــبق ضبــاب أطبــق جَــهــاماً یاسـحـابُ
    أطبق دمارُعلی حُماةدَمارهم أطبق جزاءُعلی بناةِقبورهم
    أطبق علی المُعزی یُراد بهـا علی الــــجــوع احـــتــلابُ
    أطــبــق عــلــی مــتــفـرقـین یــزیــدُفــرقــتــهــم مُـصاب
    أطــبــق عــلــی مـتـبـلّــدیــن شــکـاخـمــولـهـــم الـذبــابُ
    لــم یعـرفــوا لــون الــسّــماء لــفـرط مــا انحنـتِ الـرّقـاب
    ولـــــفــرطِ مـــا دِیــــســـت روؤسهــم کمـا دِیـسَ الـترابُ[18]

* * * وبعدهذه القصیدة نشر الجواهری إحدی أروع قصائده الساخرة التی تجاوزت المائة بیتاًمن الشعروهی(تنویمةالجیاع)1951مومطلعها:

نــــامی جیـــــاعَ الشعب نامی حـــرستــــكِ آلهــــة الطعــام

وفی هذه القصیدة رکّزالجواهری علی الازمّة الاقتصادیةالطاحنة والحالة المزریة التی یعیشهاالفقراء فی المأکل والملبس والمسکن ساخراًممن حالة السکون ،و داعیاً من خلال اسلوبه الساخر الجموع الجائعة والمضطهدة،الّتی تفرش الحصی وتلتحف بالساحب لکی تقلع عن حلة الاسترخاء التی تغریهم بها الفئات الحاکمة.[19]

    نـــــامــــــی فـــإن لم تشبَعی مـــــــن یَقْظَــــــةٍ فمن المـنام
    نــــامــــــی علی زُبْدِ الوعود یُـــــدافُ فی عســـل الكـــلام
    نــــامی تَـــــزُركِ عـــرائـسُ الأحـــلام فی جُنـــح الظـــلام
    تتنــــوّری قـــرصَ الــرغیفِ كـــــدورة البــــدر التمـــــام
    و تَــــرّیْ زرائبـــــكِ الفسـاحَ مبلَّطـــــــاتٍ بــــالــــرُّخــــام
    … نـــامی و لا تتجـــــادلـــی القـــــولَ مــــــا قـالت «خُذام»
    نــــــامی علــــــی المجـــــــد القـدیم و فـــوق كُوم من عظام
    …نامی جیاعَ الشعـب نامــــی النـــــوم مــــن نــــَعمِ السلام
    تتـــوحَّــدُ الأحـــــزاب فـــیـــه و یـتَّقـــی خطـــــرُ الصِـــدام
    إنّ الــحــمــــاقـة أن تـشـقّــــی بـــالنهــــوض عصــــا الوئام
    نــــامی جیــــاع الشعـــب نامی لا تقطعــــی رزقَ الأنـــــــام
    لا تقطعــی رزق المتــــــاجــر و المهنــــدس و المـــــــحامی!
    نــــــامی تُــــریحـــــی الحــــــاكمــــینَ مــن اشتباكٍ و التحام
    نــــامی فجُـــــدران السجـــــــون تعِـــــــجّ بــــــالموت الزؤام
    و لأنـــــت أحــــــوجُ بعــــــدَ أتعــــاب الـــــرُضوخ إلی حَمــام نـــــامـــــی یُــــرَحْ بمنــــامـــــكِ الـــــزعماء من داء عقام
    نـــــــامــــــی فحُّقـــــكِ لـــــن یضیـعَ و لستِ غُفْلاً ! كالسوام
    إن «الرُعــــــاة»الســـــاهـــــرین سیمنعـــــونك أن تضــــــامی
    * * *
    نـــامی جیــــاعَ الشعب نامی النــــوم أرعــــی للذمـــــام
    و النـــــوم أدعـــــی للنــزول علـــــی السكینــــة و النظام
    نـــامـــی فمــــا كـــان القصیـ ـــدُ ســـوی خُرَیزٍ فی نظام
    … نـــامی :الیــك تحیَّـتی و علیـــــك نـــــائمةًً ،سلامی
    نامــی جیاع الشعب نـامـی حـــرستـــــك آلــــهة الطعام [20]

هذه أبیات من قصیدة (نامی جیاعی الشعب) و هی من قصائد (الجواهری) السوائر الجیاد لما احتجنت من قوة سخریة و معانی جمیلة و تبكیت للحاكین الذین لا یلقون بالاً (للدهماء).[21]

و الجواهری فی قصیدته استطاع أن یعطی تكرار اللفظة بُعداً فنیاً عمیقاً ، و نجح فی تكراره لفعل الأمر «نامی» و قد كرر الجواهری «نامی»ستّاً و خمیسن مرة مما جعلها أشبه بنغمة الحداء ، و نقطة ارتكاز فی الایقاع ،هیأت جوّاً درامیاً من النغم الموسیقی ، و مجالاً لمباشرة الذی یأتی بعدها ، و تلوینه و حَمَلَ هذا التكرار طابعاً ساخراً ، تضمّن معنی مقلوباً بقرینة القصد والدلالة . إذ لیس من المقبول أن یقصد الشاعر ب‍ «نامی» دعوة الآخرین للنوم الحقیقی …[22]« و هذا الاصرار و الالحاح علی التكرار قلب المعنی المعجمی للفظة ، فلم تعد تعنی النوم الفعلی ،أو دعوة الناس للنوم و الراحة ،بل أصبحت تعنی التحریض و الإثارْ، و صارلها مدلول جدید هو التنبه و الیقطة ، و ترك الغفلة و الرقود ،بل أصحبت تعنی الثورة و الوثبة . كل ذلك من خلال تكراره للفظ بشكل ساخر ، فی هدوء ، و حتی إذا كان الغرض من هذا التكرار ان یُشعر الآخرین أنهم فعلاً فی موقع النوم … » [23] و هكذا یستخدم الجواهری السخریة فی أشعاره لیستقزّ الشعب و یفتح عیونهم، و یلفت انتساههم إلی الحاقة التی وصلوا إلیها .

أمّاعام1952م فقد أنشد الجواهری متنبی العصرقصیدةساخرة متمیّزة کان عنوانها«ماتشاؤون»ومطلعها:

ما تشاؤون فاصنعوا… فرصةٌ لاتــضّـیـعُ

یشار الی أنّ هذه القصیدة قد نشرت فی وقت لا یفصلها سوی ایام عن أحداث انتفاضة تشرین الثانی 1952م التی بدأها طلبة الکلیات والمعاهد العلیا لتتطور إلی حرکة شعبیّة عارمة عجزت السلطة عن قمعها فأنزلت الجیش الی الشوارع ،واعتقلت العدید من المواطنین ومن بینهم الشاعرالکبیرالجواهری وأیضاً ولداها فراتوفلاح.یذکر الاستاذ الدکتور زاهدمحمد زهدی انَّ هذه القصیدة کانت بیاناً ساخراً یشهرالشاعرالکبیر بوجه الحکام،بعد أن أشهربیانه الاول(تنویمةالجیاع)بوجه المحکومین.

إنّه یسخرمن الحاکمین لیفعلوا مایشتهون لأنَّ الحکم بأیدیهم، لامعارضة فعّالة یحسبون لها الحساب ،و لاضمیریهزّ الحاکمین فیدفعهم إلی الرحمة والعدل،ومیزانیّة الدولة بین ایدیهم یقطعون بها ألسنة السوء.[24]

    ما تشاؤون فاصنعوا… فرصةٌ لاتــضّـیـعُ
    فرصةٌ أن تَحَکَّــموا وتَخُطُّوا ، وترفعوا
    وتُدِلـُّوا علی الرّقـا بِ وتُعطلوا وتمنعوا
    * * *
    ما تشاؤون فاصنعوا لکم الارضُ أجمعُ…
    لــکمُ الناس أکــــــتعُ مِن ذویهــم وأبـصـعُ
    خَــوَلٌ عـنـدکم ،خُذوا مَــن تـشـاؤونَ أو دَعوا
    قــد خُـلـقـتـم لتحصدوا وعــبـیـداً لـِیـزرعوا
    لکُم «الّرافدانِ»و«الزّاب»ضرعٌ فأضرعوا
    تُخصب الارضُ تحتکم –ماأمرتم-وتَرتعُ
    لیت أنّ الجموع فیهنّ شاءٌ وترتعُ
    ماتشاؤون فاصنعوا الجماهیر هطّعُ
    ما الّـذی یستطیعهُ مستضامون جُوّعُ![25]
    
    * * *
    ماتشاؤون فاصنعوا کلُّ عاصٍ یُطوّعُ
    فشبابٌ یخیفُکم للمطامیر یُدفَعُ
    وضمیرٌ یَُهُزُّکم بـ(الکراسی)یُزعزعُ
    ولسانٌ یَنوشُکم بـالــدنـانـیـریـُقـطــعُ
    ما تشاؤون فأصنعوا جوّعوهم لتشبعوا
    * * *
    ماتشاؤون فاصنعوا لکم النّاس مصنعُ
    لکم الحکمُ ملعبُ فی نهارٍ…ومَخدعُ
    لکم الامرُ مسبحُ بــالــلُـبـاناتِ مترعُ
    ما تــشـاؤون فــاصـنـعوا وأجیدوا وأبدعوا
    انظموا «المال َ»کالقصیدِ بــحـوراً وقطّعوا
    لــــکُم «عِقدُه» الــفرید وللشعبِ ..مَصرعُ
    * * *
    ما تشاؤون فاصــنعوا تُستعزّوا وتُمنعوا
    ضــیّقوا ما استــــطعتم من خناقٍ و وسّعوا
    الــــقــوانین شِـــرعةٌ بـــــحرابٍ تُــشَــرّعُ
    والاراجیفُ شرطةٍ و«التقاریرُ»مِدفعُ
    والسـجونُ المزمـجـراتُ قِطارٌ مُدرّعُ
    والتأویلُ فی القضاءِ بلاءٌ مُبرقَعُ
    * * *
    کاذب ٌ مَن یخیفُکم بعِظاتٍ ویَصدعُ
    ویُریکم مَصارعاً لِطغاةٍ«تَصرَّعُوا»
    حسِبوا اللیلَ مرکباً فإذا الفجرُ یَطلعُ
    وإذا الدربُ مُوصدٌ وإذا الرّیحُ زَعزعُ
    واذا کلُّ روضةٍ أزهرت أمسِ بلقعُ
    کاذبٌ!کلُّ همّهِ أن تَاخافواوتفزعوا
    لکم «الجنُ» تُهرعُ مثلَما «الانسُ»تخضعُ
    * * *
    أنتم «الشّمسُ »فی السّماء ،وأزکی وأرفعُ
    و«عُقابٌ » علی الجواءِمنیعٌ.وأمنعُ
    أنتمُ «الموتُ»هل یحینُ من الموتِ مَصرعُ؟
    أنتم «الخُلدُ» هل یغیضُ من الخُلدِ مَنبعُ؟
    أنتم«السُلُّ» یختفی فی صدورٍ..ویرجعُ
    أنــتــم«اللهُ»واحـداً وهـولاشـکَّ..أربـعُ
    فرصةٌ لا تُضَیَّــعُ ما تشاؤون فاصنعوا[26]

کمانلاحظ فِی القصیدةالمذکورة انّ الشاعرالکبیر الجواهری کان یقول کلّ هذا الشعر الساخر اللاذع التهکمیُ ویوجّهه الی الحکام حتی اکبرهم منزلةًومقاماً،دون أیّ خوف أو رهبة،یهزأبطغیانهم المزیف ویشبههم من باب (العکس )بالشمس والسماء والعُقاب والموت الذی لا یُصرع ،وکان الکثیرمن أبیاته یتحول الی شعارات فی الشوارع تهزُّ الجماهیرالغاضبة، ومع ذلک فإنّ الجواهری لا یُعتقل إلا لبضعة أیامٍ،وکان یصدر الحکم بسجنه لشهرٍأوشهرین إلّا ویکون الحکم مقترناً بوقف التنفیذ!!!

وفی قصیدةعنوانها (شدةلندن)تناول الجواهری باسوب ساخر الوضع الذی کان علیه العراق بعد إنهیار الآمال العریضة بالحریة والاستقلال الناجز، ثمب یام ما سُمّی بالحکم الوطنی بتحقیقالمصالح الاجنبیّة الّتی ثار علیها الشعب،وأیضاًبروزفئةمن االمثقفین النفعیین تُبارک الحکم الجدید بهدف مصالحها الخاصة.

    یاخلیلیَّ والبللاءُ کثیرٌ فی بلادی ،لا،وکهذی البلیة
    أَ زمنَ الدّاءِ فی العراق ولن یَشفیه إلا الجرّاح والعملیّة
    أَ فتیٌّ عراقنا؟فـلـماذا خــدعوه؟ وذاک شأن الفتیه
    سَحَرتنا ظواهر الأمرحتی أوهمتنا أن البلادقویّه
    نتغنّی وعصرُنا من نُحاس بأغانی عصورناالذهبیّه
    نخرالجهلُ أُمّتی نخرة السوس فأینَ المجامعُ العلمیه
    کلنا فی الجمود والجهل وحشیون لکن حقوقنا مدنیه
    کلُّنا فی النفاق والختلِ نبدی کلّ یوم مهارة فنیّه
    وطنی کـلُّ مـن عـلیه وزیرٌ واضعٌ نُصبَعینه کرسیّه
    قد لففناکلّ الـــمساوی فـینا بـرداءٍ من نهضةوطنیه
    ما شقیـــناإلا لأنـّا حـسِـبـنا أن فی الکـذب جرأةأدبیه
    کثُرالمدَّعون ، لما اختلفنا فی البدیهی ،فکرة فلسفیه
    لو یقول الادیب فی الشر«إن الارض تحتی»لسُمیت نظریه
    کلــُّنا بـمـا تـمـنّی سعـــیدٌ لا نُبالی أن البلاد شقیه
    أَ سمعتم ما قیل عن«برلمانی» وعرفتم مهارة حزبیه؟
    لست ادری لکن یول خبیر: فی البضاعات…شدة«لندنیه»[27]

یشیرالدکتورزاهد محمدزهدی فی کتابه الجواهری صناجةالشعر العربی فی القرن العشرین:«کان الجواهری یلجأ للسخریة کلما أُسقط فی یدیه وشاهد مطامحه تنهار،وتکشفت آماله عن خداع وتمنیات لم تجد طریقها إلی واقع الحیاة.کان شأنه فی القضیة الوطنیة الکبری الّتی شهد بعض أحداثها، وتعرف علی بعض رجالها، وکتب عن معارکها الضاریة ضدالانجلیزفی النجف إلا ستاراًللحکم الاجنبی،والذی صارعثرة فی سبیل الاستقلال الناجز..

مشت کلُّ جارات العراق طموحةً سراعاً، وقامت دونه العباتُ

ومن عـجـبٍ أن الّذین تکــفّلــوا بإنـقاذِ أهـلیه هـم لعـثرات»[28]

الاستنتاج:

اردت فی ختام هذه المقالة الوجیزة أن اشیر ألی أنّ مزاج الجواهری المتقّلب وروحه المتمردة والبیئة السیاسیة والاجتماعیة المتحولةوالمتغیرة الّتی عاشها الجواهری أثّرت کلّ التاثیرفی تجاربه الشعریّة ،وأیضاً تعدُّد الدیانات والمذاهب والقومیات الموجودة فی العراق، کلّ هذه الاحداث کانت متداخلة فی شعره،فی نفسیّته، فی إختیاره لکلماته وافکاره،لأنّه کان الصورةالحیّة لما یحدث فی بلاده،فلم یستطع السکوت والکتم علی انفاسه بل نطق نطقة جواهریّة أراد بها أن ینهض الشعب علی الوضع المزدری السائد فی العراق،فنطق مرَةً بصورة مباشرة واخری غیر مباشرة،إنه عبری زمانه وکان صوتاًلذاته ووطنه وأمته ،سما وتدفق لیصبح صوتاًللشعرالعربی فی القرن العشرین دون منازع. إن دیوان الجواهری ملئٌ بتلک القصاید الساخرة والتهکمیة واذا سنحت الفرصةلباحث دراستها فانه دون شک سیخرج بنتیجةلافتةللنظر لانّ الکثیر من شعره یحتوی علی نوع من السخریة، وقد تصل سخریته الی حد النکتة والافراط فی الهجاء.ونحن فی هذه المقالة لم نأتی الا بالقلیل من شعره الساخر. وشکراً.
المصادر

   1. أدونیس (علی احمدسعید)،مقدمة للشعر العربی، دارالعودة ،بیروت ،ط 4 ،1983م.
   2. أنوشة،حسن ،فرهنگنامه أدبی فارسی، سازمان چاپ و انتشار وزارت فرهنگ، تهران ،ط2، 1381ش.
   3. الأیوبی ،یاسین فی محراب الكلمة ،المکتبة العمریة، بیروت، 1999م.
   4. البعلبكی ،منیر، المورد(قاموس انكلیزی ،عربی) ،دارالعلم للملائین، بیروت،ط3،1989م.
   5. بیضون ،حیدرتوفیق،محمدمهدی الجواهری شاعرالعراق الاکبر،دارالکتب العربیة،بیروت ط1 .1993م
   6. الجبوری، عبدالله، الجواهری و نقد جوهرته، عالم الكتب ،بیروت،بلاتا.
   7. الجواهری، محمد مهدی ،الدیوان ،مطبعةالادیب البغدادیة،بغداد،1974م.
   8. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ،الجواهری فی العیون من اشعاره،دارطلاس للدراسات والترجمة والنشر، دمشق،ط4، 1998م.
   9. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ،ذکریاتی،دارالرافدین،دمشق،ط 1 ،1991م.
  10. شعبان،عبدالحسین ،الجواهری جدل الشعر والحیاة،دار الاداب،بیروت،ط2009.2م.
  11. زهدی،زاهدمحمد،الجواهری صناجةالشعرالعربی فی القرن العشرین،دارالقلم،بیروت،ط 1 ،1999م.
  12. الفاخوری، حنا ،الجامع فی تاریخ الأدب العربی(الادب الحدیث) دار الجیل، بیروت ،ط2، 1995.
  13. العطیّة،جلیلالجواهری شاعرٌمن القرن العشرین،منشورات الجمل،المانیا،ط 1 ،1998م.
  14. العلایلی، عبدالله و آخرون ،المنجد فی الاعلام، المطبعة الكاثولكیة، بیروت، 1995.
  15. الكبیسی،عمران،لغة الشعر العراقی المعاصر، وكالة المطبوعات ،الكویت، بلاتاریخ.
  16. المعری،ابوالعلاء،شرح دوان المتنبی،دارمکتبةالحیاة،1407هـ
  17. المندلاوی ،صباح،فی رحاب الجواهری،منشورات دارعلاءالدین،دمشق، ط 1 ،2000م.
  18. وهبة،مجدی و كامل المهندس ، معجم المصطلحات العربیة فی اللغة و الأدب،مكتبة لبنان ،بیروت، ط2، 1984.
  19. یعقوب،امیل ،قاموس المصطلحات اللغویة و الأدبیة ،دار العلم للملایین، بیروت، 1987م.

حواشی

    1.أدونیس ،1983م،ص40.
    2. هوراسیوس أو هوراتیوس شاعر لاتینی من ادباء العصر الذهبی صدیق أو غسطس و فرجیلیوس.
    له «فن الشعر» و «الهجائیات» و«الرسائل ». ،( العلایلی، عبدالله و آخرون1995م ،ص733)
    3. انظر : حسن أنوشة، 1381ش، ج2،ص934.
    4. انظر : كامل المهندس ،1984م ،ص198.
    5- صموئیل بیكیت: رواثی و كاتب مسرحی إیرلندی.
    مُنح جائزة نوبل فی آلآداب لعام 1969 . (منیرالبعلبكی ،1989م ،ص11)
    6.أدونیس ،1983م،ص40.
    7. الجبوری،عبدالله،بلاتاریخ ،ص7
    8.الأیوبی ،یاسین،فی 1999م ،ص88.
    9. الفاخوری،حناء1995م،ص508
    10.الدیوان ، ج7،ص237.
    11.المعری ،ابوالعلاء ،1407هـ ،ج4،ص168.
    12.الجواهری فی العیون من اشعاره،ص221.
    13.زهدی،زاهدمحمد،1999م،ص373.
    14.شعبان،عبدالحسین،2009م،ص262.
    15.المصدرالسابق ص263.
    16.المصدرالسابق صص264-265
    17.زهدی،زاهدمحمد،1999م،ص375.
    18.بیضون ،حیدرتوفیق،1993م،ص73.
    19. زهدی،زاهدمحمد،1999م،ص 388
    20. الجبوری،عبدالله،بلاتاریخ ،ص53.
    22.الدیوان ،ج 4، ص ص 73-80.
    23.الکبیسی،عمران ،بلاتا صص157-158 .
    24.المصدر السابق ، ص180
    25. زهدی،زاهدمحمد،1999م ،ص 390
    26.الدیوان ج 4 ص127
    27.المصدرالسابق صص129-130
    28.الدیوان ج4صص381-382
    29. زهدی،زاهدمحمد،1999م، ص381

نوشته شده در تاريخ دوشنبه 1390/01/29 توسط شاهسونی (دکترای زبان و ادبیات عربی)
عبد الجبار داود البصری
حظی الأدب المهجری بعنایة الدارسین ونقاد الأدب ومازال كذلك، ولهذا الأدب محبوه ومتذوقوه ، فقد كان فتحا فی أدبنا الحدیث، فتح عیوننا على مباهج الحیاة،وروعة المغامرة و إغراء الحریة ،بعد أن ظل أدبنا أحقابا طویلة نائما فی مغارة التاریخ مغمضا عینیه عن مستجدات الحیاة مكتفیا بالاجترار من الكتب القدیمة ،وكد الذهن لا فی تولید المعانی البكر،

 بل فی تنمیق الكلام و الولوع بالأسجاع واللهاث وراء التوریة وفی مباركة الأوضاع القائمة وهی أوضاع مزریة تمیزت بالركود الاجتماعی والتأسن الثقافی والاستبداد السیاسی وكانت غایة الأدب أن یصل إلى البلاط مسبحا بحمد الحاكم آناء اللیل وأطراف النهار لتحقیق مآرب شخصیة مضحیا بمصلحة الجماعة لحساب المصلحة الشخصیة  خرج الأدب المهجری إذا من رحم المعاناة مبشرا بعصر الخصوبة وبقیام طائر العنقاء من رماده صحیحا معافى وهو یحمل معول الهدم منقضا على سفاسف الماضی معلیا صرحا جدیدا من الأدب الخلاق المتمیز بصدق الشعور ونزعة التجدید والغیرة على حاضر الأمة ومستقبلها متزودا من الثقافة العربیة الأصیلة والغربیة البناءة ، مستفیدا من أرض ترعرع فیها هی الأرض الجدیدة – أمریكا الشمالیة والجنوبیة – حیث للفرد قیمة وللعلم المكانة الأولى - إنها مجتمع الصناعة والتقدم و الإبداع والرفاه المادی والمعنوی وكل هذه العوامل مجتمعة وجدت صداها فی عقول وضمائر و إنتاج أدباء المهجر الأدبی والفكری . ونحن فی هذا المقال راصدون لقیم إنسانیة تضمنها الأدب المهجری تاركین القیم الأخرى كالجمالیة والفكریة لمقالات أخرى و إنه لحقیق بنا نحن ورثة هذا التراث الأدبی الضخم أن نتمثله كما یتمثل الجسم الغذاء صانعا منه نسغ الحیاة و أسباب الحصانة وعوامل القوة خاصة ونحن نعیش فی عصر تمیز بالتطرف الدینی والنزاع الطائفی وسیطرة الفكر العبثی السلفی أو العدمی التغریبی خاصة ومجتمعنا العربی یحمل فی ثنایاه اختلافات مذهبیة هی فی الأصل مصدر ثراء له ولو أنه یراد لها أن تكون عوامل تصدع وفرقة ، أضف إلى ذلك انفتاح العالم وتطور المعلوماتیة فی أرقى تجلیاتها — أی الثورة الرقمیة – وسیطرة المؤسسات الاقتصادیة العابرة للقارات والتی غزت أسواقنا بمنتوجاتها الغثة والسمینة وما نحن فی حاجة إلیه وما نحن فی غنى عنه والتی أدت فی النهایة إلى تسطیح الفكر والشعور والجری وراء بریق الألفاظ دون أن نكلف أنفسنا عناء البحث عن المضمون،إنها عولمة حولتنا إلى كائنات طفیلیة مستقبلة ومستجیبة لكل المثیرات الواردة من الضفة الأخرى ، وكأن صرخة المهجریین فی النصف الأول من القرن الماضی ذهبت أدراج الریاح فقدعدنا إلى الدجل على حساب العقلانیة و إلى الطائفیة على حساب التسامح الدینی وإلى التقلید على حساب الاجتهاد و إلى العبودیة على حساب الحریة و إلى الشكلانیة على حساب المضمون ، وما أحرانا الیوم أن نعود إلى تلك القیم الإنسانیة التی تضمنها الأدب المهجری وصدع بها وعاش لأجلها فهی التی ستعصمنا من الغرق فی خضم الحضارة الحدیثة .فما مجمل القیم الإنسانیة التی تضمنها هذا الأدب ؟ لعل أول قیمة من قیم الأدب المهجری هی التسامح الدینی ولقد عبر عن هذا المعنى أبلغ تعبیر الأدیب اللبنانی الكبیر مارون عبود ، وهو إن لم یكن مهجریا فقد تمیز فی حیاته وفی فكره بهذه الخصیصة خصیصة التسامح الدینی قال عبود :" سمیت ابنی محمدا نكالا فی أبی الذی أسمانی مارون " . و إن كان فحوى هذه المقولة التأكید على مبدأ العروبة فاسم محمد أ لصق بالفكر والانتماء العربیین من اسم مارون، إلا أن العروبة و الإسلام لصیقان لا یمكن الفصل بینهما وهذا ما عناه كاتب عربی مارونی هو الأستاذ مارون عبود ، وهو بذلك یؤكد انتماءه لحضارة الإسلام ، لقد كان شعراء المهجر وجلهم من المسیحیین یعتبرون الإسلام بعدا روحانیا وفكریا مهما فی تكوینهم النفسی و العقلی فضلا عن كونه رابطا قومیا لذا تراهم یذكرون الإنجیل إلى جانب القرآن ومحمدا إلى جانب یسوع فی تآلف ومودة ، قال الشاعر ریاض المعلوف وقد كان مغتربا فی البرازیل من قصیدة " الله والشاعر"
یا صاحب الملك الذی لا ینتهی
أبدا وسدته الملأ والسرمـــد
فالشعـــر فی إنجیلنا وكتابنا
والشاعران هما المسیح و أحمد
و تأمل أیها القارئ استخدام الشاعر لضمیر الجماعة فی قوله" كتابنا " وهو یقصد القرآن الكریم مؤكدا انتماء المسیحیین العرب لحضارة الإسلام. و أما الشاعر القروی رشید سلیم الخوری المغترب فی البرازیل والذی عرف بنزعته القومیة الحارة وغیرته على الأمة العربیة وقد كرس شعره داعیا إلى الحریة والعزة ، ها هو فی صرخته ضد الباطل یدعو إلى الأخذ بأسباب القوة والتضحیة فی سبیل عزة الوطن مقتبسا عن القرآن الكریم معنى الآیة الكریمة : " و أعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخیل" ولم تثنه مسیحیته عن الانتصار لهذا المبدأ القرآنی یقول القروی :
أحبوا بعضكم بعضا وعظنا
بها ذئب فما نجت قطیعـــا
إذا حاولت رفع الضیم فاضرب
بسیف محمد واهجـر یسوعا
وتراه فی قصیدة أخرى بمناسبة عید الفطر یمتدح النبی محمدا- علیه الصلاة والسلام- ویفرح لرؤیة الهلال یعانق الصلیب بعد أن تنجلی غاشیة الاستبداد و الاستعمار
أكرم هذا العید تكریم شاعر
یتیه بآیات النبی المـــــعظم
ولكننی أصبو إلى عید أمة
محررة الأعناق من رق أعجمی
إلى علم من نسج عیسى و أحمد
و آمنة فی ظله أخت مریــــم
و یصر الشاعر إلیاس فرحات المغترب فی البرازیل على انتمائه العربی فوطنه هو الشام والعراق و أرض الكنانة و أرض الجزیرة التی توحی فی الوجدان العربی بظهور الدعوة الإسلامیة و انتشار الإسلام وهذا المقطع من أشهر ما انتشر من شعر المهجریین :
إنا و إن تكن الشآم دیارنا
فقلوبنا للعرب بالإجـــــمال
نهوى العراق ورافدیه وما على
أرض الجزیرة من حصا و رمال
وإذا ذكرت لنا الكنانة خلتنا
نروى بسائغ نیلها السلســــال
بنا ومازلنا نشاطر أهلها
مـر الأسـى وحـلاوة الآمـال
وكذلك كان الشاعر السوری میشال مغربی المغترب فی ساو با ولو بالبرازیل فهو أیضا یحلم بغد عربی مشرق یتعانق فیه الصلیب والهلال ویعمل العرب جمیعهم - مسلمون ومسیحیون - لما فیه خیر الأمة العربیة :
الأم تجمل فی عین ولیدهــا
حتى ولو فی أخلق الأسمال
حی الحیا دون المواطن موطنا
فیه أرى داری و أنظر آلـی
و یظلنی علمی الذی فی قلبـه
یثوی صلیبی فی جوار هلالی
أما زعیم أدباء المهجر و كبیرهم الذی علمهم السحر جبران خلیل جبران فقد تمیز بتسامح دینی ظاهر فی كتاباته وهو كصحبه یعتبر الاختلاف المذهبی فی الشرق مصدر غنى وما ذكر المعبد فی كتاباته إلا ذكر الجامع وما ذكر الهیكل إلا ذكر المحراب ولو أن فلسفة جبران وموقفه من الأدیان یختلف عن موقف صحبه إلا أن الجامع بینهم جمیعا هو نبذ العصبیة الطائفیة والفرقة على أساس اختلاف الدین فالدین لله والوطن للجمیع . وتسلمنا قراءة آثار المهجریین إلى اكتشاف خصیصة ثانیة تنم عن نزعة إنسانیة مكینة فی أدبهم أصیلة فی أنفسهم وهی الصفح حین الخطأ فی حقهم مع الحب الخالص ولسان حالهم یقول مع المثل العربی :" إذا عز أخوك فهن " یقول الشاعر زكی قنصل المغترب فی الأرجنتین:
أنا إن شكوت فدمعتی من جفنكم
و إذا شدوت فصوتكم قیثاری
مرحى بنی أمی لأنتم مفزعی
فی النائبات وأنتم أظــفاری
فی ظلكم نبتت خوافی شهرتی
وزها جناحی و استطار غباری
واقرأ هذه الأبیات للشاعر ندرة حداد المغترب فی أمریكا و تأمل ما احتوت علیه من تسامح ومغفرة و إنها لكنوز أخلاقیة حقیق بنا أن نتمثلها فی الحیاة أحسن تمثیل :
أنا راض بالعصــا یا
أیها الحامل رمحــك
و سأرضى خبزك الـ
أسود فی الحب وملحك
و سأنسى جرح قلبـی
كلما شاهدت جرحـك
و إذا أخطأت نحـوی
فأنا أطلب صفحـــك
ونفس النزعة نزعة التسامح تطالعك و أنت تطالع الشاعر مسعود سماحة المغترب فی أمریكا تصدر عن الحب المحض للانسانیة :
كأنی لم أترك للغیر شؤونه
كأنی عالجت غیر شؤونی
وكم من صدیق لم أخنه فخاننی
و مؤتمن قد بات غیر أمین
إذا جزت سهلا فی الزمان فإنما
ستسری بودیان به و حزون
و لإیلیا أبی ماضی صاحب " الجداول " و " الخمائل " فی هذا المضمار صولات وجولات وهو صاحب القصائد البدیعة الداعیة إلى الحب الإنسانی و التحلی بآداب الاختلاف و الاعتصام بمبدأ التسامح وهذه الأبیات خیر ما ندلل به على هذه النزعة :
إنی إذا نزل البلاء بصاحبی
دافعت عنه بناجذی ومخـــلبی
وشددت ساعده الضعیف بسا
عدی وسترت مكنبه العری بمنكبی
و أرى مساوئه كأنی لا أرى
و أرى محاسنه كأن لم تكـــتب
و ألوم نفسی قبله إن أخطأت
و إذا أساء إلی لم أعتـــــب
و لا یمكن أن نغفل " ناسك الشخروب " میخائیل نعیمة المغترب فی أمریكا قبل التوحد فی مغارة بمسقط رأسه " بسكنتا " وله قصیدة رائعة طافحة بالمعانی الإنسانیة النابذة للحرب الداعیة إلى الأخوة والتسامح وهی من قبیل الشعر المهموس كما وصف هذا اللون من الأدب الناقد الكبیر المرحوم الدكتور محمد مندور، ذلك الأدب الخافت الصوت الذی یلج إلى القلب مباشرة ویستقر فی قراراته محولا سلوك الإنسان إلى سعی حثیث نحو معارج الانسانیة الحقة یقول نعیمة:
أخی إن ضج بعد الحرب غربی بأعماله
وقدس ذكر من ماتوا وعظم بطش أبطاله
فلا تهزج لمن سادوا ولا تشمت بمن دانا
بل اركع صامتا مثلی بقلب خاشع دام
لنبكی حظ موتانا
وتأمل أیها القارئ استهلال المقطع بكلمة " أخی" وهی كلمة استهل بها الشاعر كل مقطع من مقاطع القصیدة، وماتفعله فی القلب- قلب القارئ- عربیا أو أعجمیا كان ! وأما الثورة على الظلم والتندید بالطبقیة واستغلال الإنسان لأخیه الإنسان فالشعر المهجری خیر شعر جاهر بذلك وقد هرب أولئك المهجریون من بطش العثمانیین وآلمهم ماتركوا أوطانهم فیه من جور وفساد وامتصاص الأقویاء لدماء الضعفاء واستشراء الفساد والإقطاع وقد أمدهم وجودهم فی العالم الجدید بمعانی العدالة الاجتماعیة والمساواة والكرامة الإنسانیة وبزاد وفیر منها بل امتد نقدهم حتى إلى المجتمع الأمریكی ذاته، وخیر أدیب ندد بذلك هو فیلسوف " الفریكة" أمین الریحانی حین فضح استغلال البیض للسود وتردی انسانیة الإنسان بهذا الإنتهاك الصارخ للكرامة البشریة فی بلد تغنى بالحریة واتخذ لها النصب . وفی مطولة " على بساط الریح" للشاعر الشاب فوزی المعلوف الذی قضى فی ریعان العمر تندید بهذه المظالم یقول فوزی:
أنا عبد الحیاة والموت أمشـی
مكرها من مهودها لقــبوره
عبد ماضمت الشرائع من جور
یخط القوی كل سطــوره
بیراع، دم الضعیف له حبـر
ونوح المظلوم صوت صریره
وشارك الشاعر شفیق المعلوف أخاه فوزی هذه الخصیصة فامتد حدبه حتى على الفلاح ورأى على جیبنه النور ولم یره على جبین السلطان:
وفى الحیاة دیونـــها
كرما وما وفیت دیونه
عرق الجهاد همى على
عینیه فانطبقت جفونه
هلا نظرت جبیـــنه
كم فیه لؤلؤة تزیـنه
ضنت علیه بالدمــوع
عیونه فبكى جبــینه
وتعتبر قصیدة " المواكب" لجبران إنجیل الثورة ضد تردی القیم ومیوعة الإنسان وتحلل القیم ونشاز النفس الإنسانیة فیصیر الاستغلال قیمة والظلم مبدأ انسانیا یقول جبران :
والعدل فی الأرض یبكی الجن لوسمعوا
به ویستضحك الأموات لو نظروا
فالسجن والموت للجانین إن صــغروا
والمجد والفخر والإثراء إن كبروا
فسارق الزهر مذموم ومحتــــــقر
وسارق الحقل یدعى الباسل الخطر
وأما الحریة تلك الحوریة التی لهج بذكرها الشعراء وضحى فی سبیلها الأعیان والعلماء والتی هی الغایة والمبتغى من الوجود الإنسانی والتی یؤدی غیابها إلى عبثیة الوجود بل عدمیته، وهل الإنسان إلا ذلك الكائن الذی یتمیز عن غیره من الموجودات بالنزوع إلى الحریة والوعی بها؟، فهی قیمة انسانیة تستحق أن یضحی لأجلها الإنسان، وقد أخذت من اهتمام أدباء المهجر الكثیر، وما لجأوا إلى العالم الجدید إلا سعیا لأجلها وهروبا من أغلال الاستبداد وقیود الحاجة التی تحیل الكائن البشری إلى ورقة ذاویة تتقاذفها الریاح ذات الیمین وذات الشمال، بعد أن كان برعما فی فنن الوجود یبشر بالإثمار والإیناع . وكما قال نعمة قازان المغترب فی البرازیل:
هی النفس تحیا بإحساسها
ولیس على الحس من قدرة
ربیت طلیقا على فطرتی
وما أحیلى طفـــولتی!
ویستثنى من شعراء المهجر هذا الشاعر الذی تجد فی شعره قلقا فی التعبیر ولغة شعریة ساذجة وأخیلة مبتذلة إلا فی القلیل النادر. وإذ یتأمل الأدیب المهجری من موقعه الجدید فی واقع عالمه العربی المتردی فی دركات الجهالة، المتخبط فی غیاهب الاستبداد، یحزنه غیاب الحریة فتراه یثور فی أدبه محولا شعره أونثره إلى شواظ من جمر ولهیب من نار عسى أن ینتفض الشعب فی سبیل نیل حریته واقرأ هذین البیتین للشاعر السوری نسیب عریضة المغترب فی أمریكا یخاطب وطنه:
مشت القرون وكل شعب قد مشى
معا وقومك واقفون ونوم !
لم تــرتفع كـف لصفعة غاشم
فیهم ولم ینطق بتهدید فم
واقرأ الشاعر القروی تلقه نفسا ثائرة وضمیرا معذبا وعقلا حرنا على شىء واحد هو الحریة
أنت حر فاستوطن البلد الحر
وصاحب من أهله إخـــوانا
مثلك الكون والزمان فلا تلح
مــــكانا ولا تسب زمانا
لیس فی قضمك الحدید هوان
إن فی بثك الشكاة هوانـــا
ویلفت نظرنا الشاعر الدمشقی جورج صیدح المقیم فی الأرجنتین إلى مفهوم أوسع للحریة یتجاوز المفهوم المألوف الساذج یقول صیدح:
غیر أنی عشت عمری فی الشذا
فعرفت الفرق مــــابین الورود
إنما الشـــعر انطـلاق للذرى
واندفـــــاق نحو أغوار وبید
إنه البـحر الذی أمـــواجـه
تتـتــالى حــرة ضمن الحدود
وهذه حریة الإبداع والتصور والفكر والشعور ! ولا یمكننا أن نغفل شاعرا كبیرا ونعنی الدكتور أحمد زكی أبا شادی فما كانت هجرته إلى أمریكا إلا رحلة بحث عن الحریة فی وطن جدید اتخذ للحریة تمثالا ضخما فی مرفأ مدینة نیویورك:
لجـــأت إلیك یا وطنا تغنى
به الأحرار واعتز النشید
فإنك منبری الحر المرجــى
وبدء نهاری بل عمر جدید
كما یعتذر إیلیا أبو ماضی لوطنه لبنان حین هجره لا ملالة بل بحثا عن الحریة وهروبا من الفساد والقمع:
لبنـــــان لا تعذل بنیك إذا هم
ركبوا إلى العلیاء كل ســـفین
لم یهــجروك مــلالة لــكنهم
خلقوا لصید اللؤلؤ المكنــون
لما ولـــدتهم نســــورا حلقوا
لا یقنــعون من العلا بالدون
و لا ننسى جبران فهو كعادته یتجاوز فی فهمه و إدراكه لحقائق الوجود المألوف والعادی فهو زلزال یهدم یقینیات القارئ و إعصار یجتث جذور المعانی الهرمة فی عقولنا ونفوسنا ولعله یبالغ أحیانا إلى درجة بث الفوضى العقلیة والحیاتیة حین یحمل معول الهدم منقضا على البنى الاجتماعیة والتاریخیة غیر عابئ بالمعطیات الأنثروبولوجیة والسوسیولوجیة والتی لا شك یجهل الكثیر منها غیر أن غیرته على الشرف الانسانی واستماتته فی الدفاع عن حریة الانسان المغیبة أحقابا هی ما یشفع له تطرفه یقول جبران بعقل فلسفی ثاقب ونفس بحاثة شكاكة: " إن بلیة الأبناء فی هبات الآباء ومن لا یحرم نفسه من عطایا آبائه و أجداده یظل عبد الأموات حتى یصیر من الأموات " . ویقول أیضا : " أنت تنظر بعین الوهم فترى الناس یرتعشون أمام عاصفة الحیاة فتظنهم أحیاء وهم أموات منذ الولادة ، ولكنهم لم یجدوا من یدفنهم فظلوا منطرحین فوق الثرى ورائحة النتن تنبعث منهم " . ونختم هذا المقال بذكر قیمة إنسانیة أخرى حوم حولها الأدب المهجری وما كان له أن یغفلها وهو الأدب الباحث عن دروب الحریة والكادح فی سبیل كمال الإنسان ونعنی بها نزعة التأمل تلك النزعة التی تنتهی بصاحبها إلى رمی القشور والاكتفاء باللباب و لاتقنع بالألفاظ وأكثرها براق ورصیدها من الحقیقة الإنسانیة قلیل ، وقد حوم الأدب المهجری حول مفهوم السعادة ونسبیتها وركز على ما هو جوهری فی الوجود الإنسانی وما الرفاه المادی إلا وسیلة یفترض فیها أن تزید من سعادة الإنسانیة ككل لا أن تتحول إلى غایة و امتیاز للبعض دون الآخر ومظهر من مظاهر الطبقیة و الاستغلال .إذا فقد حوم الأدب المهجری حول هذه المعانی و امتد تحویمه إلى المیتافیزیقا ووقف أمام الموت وقفة الخاشع لمواجهة هذا المصیر الحتمی لا على أنه عدمیة بل رحلة إلى عالم آخر ولیس شرطا أن تكون هذه الرحلة متفقة مع المفاهیم الدینیة بل بعضها مستمد من الفلسفة الإشراقیة و الهندیة وكالقول بوحدة الوجود والفیض وتناسخ الأرواح وكلها بهدف تفسیر الوجود الإنسانی والموت وبث السكینة فی النفس الإنسانیة الحائرة المعذبة القلقة من مواجهة الموت، وقد قال إیلیا أبو ماضی متعمدا الإحالة العلمیة و الفنیة :
إن الحیاة قصیدة أعمــــارنا
أبیاتها والموت فیها القافیــــه
متع لحاظك فی النجوم وحسنها
فلسوف تمضی و الكواكب باقیه
وهی دعوة إنسانیة إلى الاستمتاع ببهاء الكون والإندغام فی مظاهر الوجود وتذوق حلاوة الحیاة تناسیا للموت والعدمیة ، غیر أن جورج صوایا المغترب فی الأرجنتین تراه فی تأمله الإنسانی یذهب مذهب أبی العلاء ویتفلسف على شاكلته ناصحا إیانا بنشدان الراحة فی الهجوع الأبدی مادامت الدنیا دار أوصاب و مظاهر خادعة وسراب مضلل وفناء حتمی :
أیها الواجف من طیف الممات
ینشد الغبطة فی طول البقاء
لیس لولا الموت فی الكون حیاة
فتوجه صامتا نحو السكون !
أیها الهاجع فی الوادی الظلیل
حاضرا كالحلم فی فكر الدهور
بدد الحلم انقضى اللیل الطویل
فمتى الیقظة من هذا الهجوع
یذوی المرء ویذبل كالزهور
هل ترى ینعشه ظل الدموع ؟
وندرة حداد الحمصی المغترب فی أمریكا ینتهی فی تأملاته الإنسانیة إلى القرار بالحیاة الاضطراریة وهاهو ینصحنا بالعیش لأنه لا خیار إلا ذلك متحملین أخف الأضرار :
كم تمنینا صغــــــارا
أن نرى یوما كبارا
ثم صرنا نتمــــــنى
الیوم لوعدنا صغارا
هی دنیا كیفمـــــا دا
رت علیها المرء دارا
وكما سن لنا نحیـــــا
ولم نعط الخیــارا
واقرأ هذه التأملات الشعریة وما تنطوی علیه من معانی إنسانیة تبحث عن الحریة الكاملة ونبالة الحس ستجزم أنها ثمرة فكر وقاد و بصیرة ثاقبة وسوف یأخذك العجب لو علمت أنها لشاب مات یافعا فی حدود الثلاثین من عمره و أظنك تعرفه هو فوزی المعلوف :
بین روحی و بین جسمی الأسیر
كان بعد ذقت مــره
أنا فی التراب وهی فوق الأثیـر
أنا عبد وهی حـــرة
عبد عصر من التمدن نلهـــو
ظلة عن لبابه بقشــوره
عبد مالی أسعى إلیه فأحظــى
بعد طول العنا بوطأة نیرة
عبد اسمی أذیب نفسی وجسمی
طمعا فی خلوده وظـهوره
عبد حبی جعلت قلبی مــأوا
ه فأضرمت أضلعی بسعیره
و اقرأ إیلیا أبا ماضی ثانیة تراه ینصحنا بالحیاة والاستمتاع بها ولو فی أخلق الأسمال ، ذلك أن السعادة لیست فی القصور والریاش ، بل إنها شعور نفسی غامر یفیض من القلب على المحیا مشعا إشعاعا نورانیا :
أیها الشاكی اللیالــــــی إنما الغبطة فكــــــره
ربما استوطنت الكــــوخ وما فی الكوخ كســــره
وخلت منها القصـــــور
العالیات المشمخـــــره
تلمس الغصن المعــــرى
فإذا فی الغصن نضـــره
و إذا رفت على القفــــر استوى ماء وخضــــره
وإذا مست حصــــــاة صقلتـــــها فهـی دره
وما أروع قول القروی على لسان الطبیعة – وقد انتهى فی تأملاته الإنسانیة إلى أن الإنسان الحقیقی لم یولد بعد- وكأن رحم الغیب مازالت تحتبل به مؤجلة میلاده إلى أمد مازال بعیدا حتى تكدح الإنسانیة وتجاهد فی سبیل الحق و الخیر و العدل فحینها تستولده من تلك الرحم یقول القروی : مررت بأترابی التاجریـــن
فلم ألق إلا العبوس الوقـورا
فملت إلى الحقل حیث الصغار
تناغی الطیور وتجنی الزهورا
فهل صار كل رفاقی كهولا
وهل أنا وحدی ظللت صــغیرا؟
فأسمعنی الطیر عند الصباح
جواب الطبیعة لی تنشـــــد
بنی ولدتك طـــلا جدیدا
فقل للرفاق الألى تعـــــهد
لقد ملأ الأرض أولادكــم
و أنتم إلى الآن لم تولــــدوا

نوشته شده در تاريخ دوشنبه 1390/01/29 توسط شاهسونی (دکترای زبان و ادبیات عربی)
.: Weblog Themes By Blog Skin :.